عندما يستدعي المرء ذكرياته في مثل هذه المناسبات العظيمة يجد كماً هائلاً من الأحداث التي تستحق الإشادة والتحدث حولها، وتتراكم الإنجازات الرائعة متزاحمة في الفكر؛ كل إنجاز يقول أنا الأولى.
ولكن يظل الرابط الرئيس والرمز الأهم في كل هذه الأحداث والإنجازات رجل أدهش الشرق والغرب، وأذهل الشمال والجنوب في قدرته- بل قدراته- التي تجاوزت زمانه بسنوات، ذلكم هو "عبدالعزيز"، الإنسان القائد المجاهد، الموحد المؤسس، صاحب الفكر والطموح، والسنان واللسان، ذو المواهب المتعددة والصفات المثلى والأخلاق الفضلى. فبالرغم من أنه كان قائداً عسكرياً من الطراز الأول، فهو إلى ذلك جمع حنكة الأديب الأريب ذي الحلم والصفح والعفو، ومواقفه في مثل هذه الأمور مشهورة ومذكورة.
وكما أنه كان ذا شجاعة نادرة في الإقدام على عظائم الأمور فإنه أضاف إلى ذلك قدرة عجيبة على قراءة الأحداث ورحى الحرب تدور. وأبدى صفاء ذهن في أحلك الظروف وأصعب المواقف؛ فقد عرف متى يكون السرى أحرى وأنى يكون الغدو على العدوِّ. كان دقيق الملاحظة سريع البديهة صاحب فراسة عربية تقرأ ما على الوجوه من ارتسامات الدواخل.
إن عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رجل عركته الأيام بتجاربها، وربته الصحارى بمناكبها. جاء إلى المجد بساعديه حبواً وزحفاً وعدواً وكراً وإقداماً وثباتاً وإصراراً. لم يعرف اليأس إلى نفسه الطموحة الأبية الجريئة طريقاً، ولا ركن في يوم من الأيام إلى الدعة والخمول، ولم يكتف من المجد بطرفيه بل حازه كله، وعمت أمجاده الأمة؛ حيث لمَّ شتاتها، وجمّع متفرقها، ووحد قوتها وصوتها، وسعى بها إلى ذروة المجد، وانتقل بها من ظلام الجهل إلى نور العلم، ونقلها من صحارى الفقر والتخلف إلى المدنية والحضارة المؤسسين على هدي من تشريع المولى عز وجل. فبعد أن كانت الجزيرة العربية تهيمن عليها الخرافات والأباطيل، وتعج بفتن لا أول لها ولا آخر وتعيش في ظمأ وشحناء وبغضاء، وإذا بها تستيقظ ذات صباح على إشراقه شمس جديدة تنير السماء وتمحو- بل تمحق- الزيغ والضلال ليحل محلهما الهداية والكمال، وتصحو النفوس من غيها وفتنها لتصبح بإذن ربها بلا ضغائن أو أحقاد، موحدة على الحق، مؤمنة بوحدة المصير، حتى صارت دولة يشار إليها بالبنان، وأمة تدعو إلى الحق وبه تحكم.
وهنا أحاول إلجام قلمي الذي لم أعد مسيطراً عليه، وإيقافه عند حد المسموح به من مساحة الورق، وإلا فإن ملحمة عبدالعزيز لا تسجلها الأقلام ولا تكفيها الكتب والمجلدات.