1- مساء
"قدر النوارس أن تبيض أفراخها بين السفائن.. لا البحر يعرفها ولا خشب الصواري"..
2- حلم
ما قطعت ذلك الشارع إلا وتفكيري منصب على المقهى المقابل! النادل يمسح الزجاج على الدوام.. ثمة غبش كثيف، كأنه الضباب. الجالسون لا أتبين ملامحهم، رغم محاولتي التركيز، لكن سرعان ما يُقطع حبل الرؤية.
صوت منبهات السيارات يعلو.. أتنبه.. فأدرك أنني عرقلت حركة المرور.. يمطرني السائقون بوابل من حنقهم الساخر:
- أين فكرك يا أستاذ؟ أعاشق أنت أم أعمى؟
لا ألتفت إلى كلامهم.. أقطع الشارع بسلام.
أسأل الآخر:
- من الذي يرتاد المقهى؟
يجيب:
- إنهم أصحاب الأفكار.
ما هذا الغبش الذي يحجب الرؤية؟
إنه بخار أفكارهم الناضجة على مراجل النقاش الساخن.
ألا نستطيع ارتياد مثل هذه الأمكنة؟
ليس الآن.. فأفكاركم مازالت في طور المراهقة، وهؤلاء الناس بلغت أفكارهم مرحلة الحمل، وأصبحت تلد آراء ساخنة، بخارها يشكل سحابة كثيفة، تحجبهم عن كل ما حولهم.
حلم يراودني، والرغبة تزداد في أن أرتاد هذا المقهى، وأحجب عن كل من حولي، خلف سحابة كثيفة.
في الأمس عندما قطعت الشارع، فوجئت بعدم ازدحامه بالسيارات كما تعودته، اقتربت من المقهى.. لم أر النادل الذي يمسح الزجاج. لا توجد أبخرة وسحب؛ أرى من في الداخل بوضوح. تظهر على وجوههم أمارات الدهشة.
كلهم يجلسون.. يحدقون باتجاه نقطة محددة!
رجل القانون وحده يقف.. يأمر مساعده..
- اكتب التقرير:
"في ساعته وتاريخه قام المدعو (س) بضرب المدعو (ع) بآلة حادة على أم رأسه، فتسبب بوفاته."
ينهض شاب من الركن الأيمن.. يحك أرنيته.. يجوس المكان بعيني متفحص.. يتقدم بضع خطوات.. يقول:
- اكتبوا التقرير النقدي!
الرؤية: تتفق وما قاله رجل القانون، ولكنها تبرهن على وعي قاصر وفهم محدود.
الرؤيا: دخول السكين في الفكر على شكل عملية تناص، مما أنتج لوحة فنية درامية، بعيدة عن التقريرية والمباشرة.
3- صياح
عندما يكون البوح عقيماً
فأيقن بأن العيون حبلى
وأن الصمت ولادة.