الصورة الفنية في التراث النقدي العربي
فاطمة محمد محمد
تعتبر الصورة الفنية جوهراً ثابتاً ودائماً في الشعر، مهما تغيرت مفاهيمه ونظرياته.
ولقد نالت الصورة الفنية معالجة نقدنا القديم. ويجمل الناقد الدكتور جابر عصفور إنجازات النقد البلاغي عند العمل فيما يتعلق بالصورة الفنية بدراسة ثلاثة جوانب بالغة الأهمية من وجهة نظره، "أول هذه الجوانب هو الخيال، أو المَلكة التي تُشكل صورة القصيدة وتصل ما بينها من عمل أدبي. وثانيها دراسة طبيعة الصورة ذاتها، باعتبارها نتاجاً لهذه الملكة، ونسيجاً متميزاً من العلاقات اللغوية، يقدم المعنى تقديماً حسياً. وثالثها دراسة الوظيفة التي تؤديها الصورة في العمل الأدبي، وأهميتها للمبدع والمتلقي على السواء."(1)
ولا يمكننا التوقف في هذه العجالة عند كافة الأنواع البيانية للصورة الفنية فهي عديدة كـ "الكناية" و"الإرداف" و"التمثيل" و"المجاز بنوعيه".
وسنتوقف قليلاً عند التشبيه والاستعارة، حيث أن التشبيه هو أكثر الأنواع البلاغية أهمية بالنسبة للناقد القديم. أما الاستعارة فنشير من خلالها إلى المجاز عوضاً عن أنها توضح فاعلية الخيال الشعري وحدوده وطبيعته، فالتشبيه هو علاقة مقارنة تجمع بين طرفين، لاتحادهما أو اشتراكهما في صفة أو حالة، أو مجموعة من الصفات والأحوال.
ونظراً لأهمية التشبيه فقد رُبط بالشاعرية واعتبره قدامه "غرضاً من أغراض الشعر".(2)
ويقول عبد القاهر الجرجاني "إذا قام الشيء مقام الشيء أو مقام صاحبه فمن عادة العرب أن تشبه به في حالات كثيرة."
ويُقسم المُبرد التشبيه إلى أربعة أقسام: "تشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه."(3)
ويختار المبرد البيت التالي لامرئ القيس ضمن التشبيه المصيب الذي يقوم على تشبيه شيء في حالتين مختلفتين بشيئين مختلفين:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً *** لدى وكرها العناب والحشف البالي
لأن الشاعر يُشابه مشابهة صائبة بين قلوب الطير رطبة ويابسة، وبين العناب والحشف البالي.
ولعل التناسب المنطقي والتطابق الفني في التشبيه، هما ما يثيران الإعجاب ببيت ابن المعتز:
انظر إليه كزورق من فضة *** قد أثقلتهُ حمولة من عنبر
وقد يجمع التشبيه بين المختلف والمتنافر:
وكأن أجرام السماء لوامعا *** درر نُثرن على بساطٍ أزرق
أما مفهوم الاستعارة في التراث البلاغي والنقدي العربي فهو كما يراه الناقد الدكتور جابر عصفور "علاقة لغوية تقوم على المقارنة، شأنها في ذلك شأن التشبيه، لكنها تتمايز عنه بأنها تعتمد على الاستبدال أو الانتقال بين الدلالات الثابتة للكلمات المختلفة."(4)
وهكذا ففي كل استعارة نجد نوعين من المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، أما المعنى الحقيقي فهو سابق في الوجود، يقول امرؤ القيس يصف فرسه:
وقد اغتدى والطير في وكناتها *** بمنجرد قيد الأوابد هيكل
فعبارة "قيد الأوابد" استعارة، حقيقتها أو معناها الأصلي أن هذا الفرس "مانع الأوابد من الإفلات والذهاب".
وكانت تعريفات الاستعارة متشابهة في القرنين الرابع والخامس الهجريين. يقول الآمدي "وإنما تُستعار اللفظة لغير ما هي له إذا احتملت معنى يصلح لذلك الشيء الذي استعيرت له ويليق به."(5)
وقد يكون في بعض الاستعارات مخرج للتشبيه، رغم أنها تخل بصفة التمايز، يقول أبو ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارها *** ألفيت كل تميمة لا تنفع
ويقسم الحاتمي الاستعارة إلى ثلاثة أنواع أحسنها عنده "ما تتضح فيه العلاقة بين الأطراف، ولا يخل بمبدأ التناسب المنطقي بين الأشياء، بل يحفظ لها تمايزها واستقلالها."(6)
وقد شن الآمدي حملة نقدية على أبي تمام "هذا الذي وصفه أبو تمام ضد ما نطقت به العرب"(7) وذلك لما جاء به أبو تمام من ضروب التجديد والتطوير في شعره، وكانت لا تتوافق مع العرف اللغوي والنقدي في ذلك العصر. وكانت استعاراته غريبة عما هو سائد:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه *** بكفيك ما ماريت في أنه برد
وكذلك كانت صور أبي تمام:
وليست وديان من دماء هرقتها *** حراماً ولكن من دماء القصائد
ولقد اتفقت وجهات نظر نقاد القرن الرابع حول الاستعارة وهم، الآمدي والحاتمي وقدامه وابن طباطبا، وسار في إثرهم الخطابي، والرماني، والعسكري. أما الاستثناء الوحيد فهو عبدالقاهر الجرجاني الذي كان يناقش ويوازن ويرفض، ويقيم بذلك تصوراً للاستعارة أنضج من تصورات سابقيه "الاستعارة لا يمكن أن تعالج علاجاً هيناً أو عجولاً، إذا أنها - مع التشبيه والتمثيل- أصل كبير تتفرع منه كل محاسن الكلام"(8)
وترتبط بلاغة التشبيه والاستعارة والتمثيل بقدرتها على التصوير والتجسيم، أو التقديم الحسي للمعنى.
أما الجاحظ فيرى أن "الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير"(9) وكان الجاحظ بقوله هذا أول من طرح فكرة الجانب الحسي للشعر وقدرته على إثارة الصور البصرية في ذهن المتلقي.
ولعل مفهوم "المعنى" هو المدخل الأساس لفهم تصورات النقد العربي لوظائف الصورة الفنية وأهميتها. حيث أن المعنى هو الفكرة السابقة على الألفاظ من حيث اكتمالها في الذهن:
يراد من القلب نسيانكم *** وتأبى الطباع على الناقل
والصورة الفنية عموماً طريقة خاصة من طرق التعبير، تنحصر أهميتها فيما تحدثهُ في معنى من المعاني من خصوصية وتأثير، لا تغير في طبيعة المعنى في ذاته، وإن غيرت في طريقة عرضه وكيفية تقديمه:
وكأن النجوم بين دجاها *** سنن لاح بينهن ابتداعُ
ويربط ابن رشيق البراعة في وصف "حقيقة الحال" بالبراعة في التصوير:
غدا لاعب في الحي لم يدر أَننا *** نمر ولا أرض لنا بطريق
ويعتقد الناقد الدكتور جابر عصفور أن الناقد العربي "لم يفهم- في الأغلب الأعم- أن الأصل في الشعر هو المبدع قبل المتلقي، وأن القصيدة لن تحقق شيئاً للمتلقي إلاّ إذا حققت ما يماثله للمبدع. وعندما ننظر إلى وظيفة الصورة من زاوية المبدع، يتكشف لنا زيف النتائج التي أدى إليها التصور القديم. فالصور ليست من قبيل "الزينة" بل هي الوسيط الأساسي الذي عبره يستكشف الشاعر تجربته، ويتفهمها كي يمنحها المعنى والنظام."(10)
فالصورة الفنية ليست شيئاً ثانوياً يمكن الاستغناء عنه أو حذفه، بل هي وسيلة حتمية لإدراك الحقائق، تعجز عن إدراكه اللغة العادية، وتساهم الصورة الفنية في الكشف على جوانب مهمة وخفية من التجربة الإنسانية.
المصادر:
1- د. جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، المركز الثقافي العربي، بيروت 1992م.
2- قدامة بن جعفر، نقد الشعر، تحقيق س. أ. بو نيكر، مطبعة أبريل، 1956م.
3- المبرد، الكامل، تحقيق أبو الفضل إبراهيم والسيد شحاته، دار نهضة مصر، القاهرة.
4- المصدر الأول.
5- الآمدي، الموازنة بين شعر أبو تمام والبحتري، تحقيق أحمد صقر، دار المعارف، القاهرة 1965م.
6- الحاتمي، الرسالة الموضحة، تحقيق محمد يوسف نجم، بيروت 1965م.
7- المصدر الخامس.
8- عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، بيروت 1968م.
9- الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، مصطفى الحلبي، القاهرة، 1948م.
10- المصدر الأول.