قاعة المحكمة تغص بالحاضرين، عشرات من البشر دلفوا مجلس الشيخ، قدموا من كل مكان، بعضهم، معروف، مألوف، من الجماعة، من سكان المدينة، وممن اعتادوا الجلوس والمطالبات في المحكمة وتكاد تكون ساحة المحكمة عنوانا لمراسلاتهم، وكثير منهم من مزارعي وسكان الضواحي والقرى البعيدة، بعضهم صاحب قضية، أو شاهد على قضية، أو معرف، أو فضولي، وكثير منهم ليس لديه قضية لافي المحكمة ولا في أي مكان آخر.
بوقار المشايخ، وجلال القضاة يدخل الشيخ (القاضي ) والذي يكسب احترام وود الجميع، ويحرص كل صاحب قضية أن تحال قضيته إليه لينظر بها، ويصدر حكمه العادل، دائماً، فيها. يجلس الشيخ في مجلسه المهيب، المتواضع، يعتدل في جلسته، ويرفع يده إلى الحاجب مؤذنا ببداية الجلسات.
صوت الحاجب يهدر :
- عبيد المنفلت ؟
يسود الصمت قليلاً، ينسل، بوقار وهدوء، رجل من الحضور، يقف متلفتا ليراه الجميع، يبالغ في تعديل هيئته ومظهره، ليوهم الناس بأنه واثق من كسبه للقضية التي ناداه الشيخ للتداول والبت فيها، يسير باتجاه الحاجب ويقف أمامه، يصرخ به الحاجب بلهجة آمرة :
- تفضل، ادخل عند الشيخ .
يسأل الشيخ: أنت عبيد المنفلت ؟
- نعم، يا طويل العمر.
الشيخ بغضب: طويل العمر إبليس !؟
- أبشر يا طويل العمر ،أقول، يا حضرة الشيخ.
- وين شهودك يا عبيد ؟
- حاضرين، يا شيخ، كلهم حاضرين، يا شيخ.
- وأنت يا بن زيدان الرقعة، عندك شهود ؟
- الله ،الله، حاضرين يا شيخ، ويلتفت متأكدا ،كلهم حاضرين يا شيخ.
وعندما يتأكد الشيخ من اكتمال أطراف القضية يبدأ، كعادته، في تفحص أشكالهم وهيئاتهم طمعا منه في التعرف، في وقت مبكر، على القضية من خلال شخصيات أصحابها وشهودها، ومن خلال نظراتهم وخلفيته عن مصداقية كل واحد منهم.
ومن خلال خبرته في مثل هذه المخاصمات، فقد اعتاد الشيخ أن يبدأ بمن يعتقد أنه أضعف أطراف القضية حجة، أو أن وسائله في المرافعة لا تؤهله لكسب القضية، أو أنه حضر، أو أحضر، وهو يجهل ملابسات القضية ولا يملك القدرة على إقناع الشيخ بأنه عكس ذلك.
- تشهد يا أبو حاجة أن البرج هو برج المنفلت ؟
- تلفت أبو حاجة، وتمتم، أدخل يده المتجعدة بين شعر رأسه وطاقيته وبدأ بحث مخزن ذاكرته على تذكر ما لقنه له المنفلت قبل دخوله قاعة المحكمة. المفردات والجمل والأفكار تطايرت، وفقدت خلايا دماغه القدرة على تماسكها وتقديمها لقاعة المحكمة كما يريدها المنفلت، في الوقت الذي لم يكن قد أعد نفسه في هذا الوقت المبكر لتلقي أو الإجابة عن هذا السؤال الذي باغتته به خبرة الشيخ ودهاؤه، ومعرفته ببواطن الأمور.
- أنا يا شيخ أشهد ؟
- على ماذا تشهد ؟
- أشهد على اللي أنت قلت يا شيخ.
- وش قلت أنا ؟
- تقول البرج وما البرج.
- وش فيه البرج ؟
ويدور هذا المشهد المضحك بين الشيخ وشاهد المنفلت، إذ أنه يبدأ في دائرة يفتحها الشيخ بذكائه ودهائه ويغلقها أبوحاجة بسذاجته وعفويته، وأبو حاجة في كل مرة يبحث عن من ينقذه، أو يجد له مخرجا من أسئلة الشيخ التي تلاحقه ولا يجد لها جوابا شافيا في ذاكرته.
عيون المنفلت تجوب القاعة جيئة وذهابا، تراقب من بعيد ما يجري على مسرحها بين شاهده والشيخ، فهو ينتظر النتيجة بأي ثمن، ويريد النهاية كما رسمها هو.
ففي الوقت الذي يصر فيه على تأكيد وإثبات مشروعية حقه في البرج فهو يتمنى أن ينتهي هذا المشهد لصالحه قبل أن يكتشف الشيخ ما قام به هو وشاهده قبل دخولهما قاعة المحكمة، ويتمنى أن يسدل الستار على فصول المسرحية كما أعدها هو وشارك في تمثيلها، وكان من أبرز أبطالها صديقه أبوحاجة وشيخ المحكمة.
ويصر الشيخ على طرح السؤال نفسه على هذا الشاهد المسكين الذي أقتاده حبه للفزعة ومساعدة الآخرين إلى قاعة المحكمة، متناسيا ما يترتب على فشله من عواقب وخيمة ربما تصل به إلى أبعد من هذه الورطة التي وضعته بها سذاجته، وجهله بعواقب الأمور .
- يا أبو حاجة أنت جاي تشهد مع المنفلت والا لا ؟
- الله الله يا شيخ .
- على ماذا تشهد ؟
- على اللي هو يـبي يا شيخ.
- وش يـبي عبيد المنفلت ؟
- يـبي اللي أنت قلت يا شيخ.
ويستمر طوفان الأسئلة بإصرار من قاضي المحكمة على الوصول إلى نهاية مع هذا الشاهد تقوده في النهاية إلى إنهاء القضية والبت فيها، أو إعلان تأجيلها إلى موعد آخر لنفس الأسباب التي دعت إلى تأجيلها في المرات السابقة.
أبو حاجة كان يتعامل مع القضية بنفس النفس الذي يتعامل به مع القصص التي يرويها أو السوالف التي يستمتع بسماعها في المجالس والعشش المنتشرة على جانبي الوادي، فكل ما يقوم به الشيخ من جهود يقابله أبو حاجة بإصراره على التعامل معها ببرود وتجاهل، ويقلل من أهميتها معتقدا أن الشيخ أخطأ عندما بدأ بالشهود قبل طرفي القضية الأساسيين، ويؤكد على تنفيذ رغبته في البدء بالسماع من طرفي القضية أولا ثم بعد ذلك يأتي دور الشهود، ويعتقد أن ما يقوم به الشيخ مخالف للمألوف ولما اعتاد الناس عليه في قضاياهم. أما أن يبدأ الشيخ باستجواب الشاهد فهذا في نظر أبوحاجة تجاوز من الشيخ لم تعهده المحكمة منذ أن عرفها أبو حاجة شاهدا ومعرفا، وشخصية معروفة لدى كل من يتردد على مشايخ المحكمة.
ويشير أبو حاجة إلى طرفي القضية قائلاً :
- خذ من روسهم.
- وماذا آخذ من رؤوسهم ؟
- أنا أقول أن اللي يتطالبون على البرج هم المنفلت وابن زيدان، والبقية شهود ومزكية، يا طويل العمر .
- وش قصدك ؟
- قصدي، أقول اسمع منهم وافهم وش قضيتهم، وحنا إلى جاء لنا مجال للشهادة ما حنا مقصرين، نبي نفزع واللي يصير يصير.
- بماذا تفزع ؟
- أفزع باللي يقدرن عليه رب العالمين، اللي خلقن وخلقك يا شيخ.
***
لم يكن قرص الشمس أتم استدارته بعد، كان مشواره بين ثنيتي الجبل ثقيلا وطويلا، تتمدد الشمس بأشعتها كل يوم بعد أن ينصرف جميع من في عشة " أبو علي "، فهو لم يحدد موعدا لتجمع جماعة المسجد أو انصرافهم ولكن نهاية صلاة الفجر وبداية أعمالهم هما اللذان رسما بداية ونهاية هذا اللقاء اليومي.
عشة أبو علي تتسع لكل من يؤدي صلاة الفجر جماعة في المسجد، وتتسع للضحك والقهقهة والمنازعات، وتتسع لتهديدات أبو عتاري للسولفكي، ولتبرم السولفكي من مقاطعات الخلقة وجهله بسوالف الرجال، ولحب الاستطلاع الذي يمارسه عتيق ولد أبو عتيق.
تعقد فيها الاتفاقيات التجارية، وتتبلور بداخلها أفكار جديدة تغير من مسار الحياة في حارة الوادي. تبدأ من عشة أبو علي الأحاديث اليومية، وتتشعب في أزمنة أخرى، وفي مجالس وعشش أخرى على امتداد جانبي الوادي، ولكن الذي يميز عشة أبو علي عن غيرها من المجالس هو وجود أبو علي مبتسما في كل وقت، مرحبا بجميع ضيوفه ومرتادي عشته في كل مرة بطريقة توحي لكل واحد منهم أنه ضيف أو قادم جديد، يعاملهم جميعا بكل الاحترام والتقدير دون أدنى تمييز بينهم، ويسألهم واحدا واحدا عن أحوالهم، ويشعرهم بالارتياح لهم في كل مرة، ومما يزيد شغفهم وإقبالهم على مجلسه هو عدم ارتياحه لوجود الأطفال الصغار في مجلسه !
" لا صار فيه رجال، الوغدان (الصغار) ما يجون لمجلس الرجال " ! .
ومما يزيد عشة أبو علي أهمية بين مجالس حارات الوادي أن الرواة الفحول للأحداث اليومية من كبار السن والمسنين، ومن صهرتهم سنوات المحل والقحط والجوع والرخاء، وتعاقبت عليهم السنوات والفصول، وحفرت في أعماقهم وذاكرتهم قصصا وروايات لأصحاب الوادي وسكانه ومزارعيه وأهله، ومن لديهم المقدرة على ربط الأحداث الجديدة بأحداث أخرى سابقة.
هؤلاء، لا يجتمعون إلا في هذه العشة التي تتخذ لها بين غابة أشجار النخيل في مزرعة أبو علي تلة مرتفعة من رمال الآبار الحمراء المغسولة بمياهها، جهتها الشرقية مفتوحة على الفضاء، مما يسهل تسلل أشعة الشمس الدافئة الشتوية عند بزوغها لجميع أرجائها، واحتضانها لها. وتقيها أعجاز النخل، المرصوصة بإحكام من جميع الجهات لفح وقرصات رياح الشمال القارسة، وكتل البرد الطائرة التي تسوقها رياح الشمال والشرق في شتاء الوادي. كما أنها تحتل مكانا في وسط المزرعة، وبعيدا عن المنازل، ويتمكن فيها كل من أراد الحديث أن يطلق عنان لسانه بحرية تامة بعيدا عن المحاذير التي غالبا ما تأتي من تصنت النساء، أو فضول المارة، أو مقاطعة الأطفال الصغار لأحاديث الكبار.
" النوم للهلباج والكلب والمره ما يهتني بالنوم سرحان ذيبه "
درس وعاه أبو علي منذ نعومة أظفاره ومنذ أن أدرك – لاحقاً – أن عليه أن يلتحف الأرض التي يحفرها وينبشها بأظفاره، ويرويها بعرقه، ويحرثها ويزرعها، ويحصل من موسم حصاد القمح، وموسم التمر على قوته وقوت زوجته، ومنذ أن تلبس مجبرا بمسؤوليته عن نفسه وعن زوجته، وأن لا أحد سوف يحمل عنه متاعه، ويريحه – كما أريح غيره ممن أرسلوا أولادهم الكبار لـ" ظهران " – من عناء طريق طويل، وكدّ مرهق امتد به العمر كله " فلا ولد ولا تلد " كما يردد دائماً.
فهو كما يروي، لم يترك مكانا إلا وطار إليه للبحث عن أمل جديد يخفف عنه معاناة أزمنة مرة ومؤلمة، ويضيف بأن المحطات التي توقف بها في رحلته للبحث عن علاج له ولزوجته تزيد عن تلك التي توقف بها للبحث عن عمل، ولا تخفي أم علي حرصهما على تتويج زواجهما بمولود صغير يشع نوره في فضاءاتهما المظلمة، وتضيف بأن حرصهما على الإنجاب كان أشد من حرصهما على طلب الرزق، ولكنها " إرادة الله سبحانه وتعالى " كما يردد أبو علي عندما يسأل، أو كما يقول ناهرا: " الله ما أراد "، عندما يصبح السؤال فضولا.
من المؤكد أن أبو علي لم يستطع ولم يوفق في تحقيق ما يريد، سافر للعمل في الغربية لسنوات عديدة، وحصل على عمل جيد ودخل مناسب، ولكنه بعد أن عاد للزيارة مكث طويلا في مزرعته ولم يعد في الموعد المحدد، وفضل البقاء والزواج من أم علي.
بعد أن تأخر الحمل المنتظر عاد أبو علي مع أم علي للبحث عن علاج لمشكلتهما، وتنقل من مكان إلى مكان، طالبا للرزق مرة، وطالبا للإنجاب في أكثر المرات. ولكنه في النهاية لم ييأس إلا أنه سلم بالمكتوب واستقر في مزرعته.
الطبيب الذي استلم كامل أتعابه وثمن العلاج قبل أن يفحص أبو علي، وذلك بناء على وصف أبو علي وما سمعه منه بشأن تأخر الحمل والإنجاب، وبناء على أسئلة وجهها لأبو علي عن المدة التي قضاها مع زوجته دون أن تظهر بوادر حمل لديها، أعطى العلاج نفسه لأم علي قائلاً، ومشيرا إلى الأبرة التي تحتوي على العلاج :
" هذي تخليك زي البمب، وتخلي اللي مايجي، يجي، يعني إحنا بنلعب، ولا بنلعب "
أم علي قالت بعد سنين أن الأطباء الذين أجروا لهما فحوصات دقيقة بعد علاج ذلك الطبيب المشؤوم أكدوا أن علاجه الذي غشنا به وأوهمنا بأنه " يخلينا زي البم …." كان السبب الرئيسي في إصابتنا بالعقم الصحيح الذي لم نكن نعاني منه قبل ذلك العلاج اللعين" وتضيف "وابن آدم ماله عن المكتوب ".
" أبناء حارة الوادي هم أبنائي، وجميع من يسكن على حافتيه هم إخوتي، وأبناء عمومتي، ولدنا ونشأنا أسرة واحدة، صدر العشة كصدر الوادي رحب واسع فلا تجعلوه يضيق، اقذفوا بأحقادكم إلى جهنم، اتركوها في أماكنها التي نشأت وترعرعت فيها، أبعدوها عن متنفسي الوحيد في هذه الحارة، اجعلوا المحبة، والتواصل، وتدارس أوضاع المحتاجين منا شعارا لنا "
معادلات صعبة يوازن بينها أبو علي عندما تتقيأ عشته مجموعة المتناقضات والفروق، وتتبرم من الاحقاد والدسائس التي تتسرب إلى أذنيه عندما ينفرط عقد الحديث وتنطفئ الفوانيس التي تضيء عشته، وتعمره بـ" سوالف " الرجال والغزو والحدرات.
الأسود لديه أسود، والأبيض أبيض ومن يقول غير ذلك فهو في نظره مدلسا، أفاكا، ولا يستحق أن يستقبله في عشته، لكنه، لا إرادياً، يستقبله مبتسما دائماً، ومشيعا جوا من السعادة والفرحة بقدومه، وزيارته له. ومع تقدم الأيام تقوم العشة بفرزه وإبعاده، ويصدر قرار بتغييبه عن جلسات العشه، وذلك عندما يدرك الضيف بنفسه أن أبو علي، لا إراديا أيضاً، وعن غير قصد منه وضع قانونا صارما وغير مكتوب ويحمل في مواده مواصفات من يريده ضيفا مستمرا في عشته، ويكتشف مع تقادم الأيام أن بنود هذا القانون ومواده لا تنطبق عليه وأن عليه ألا يضيع الفرصة ويختفي قبل أن يتم إخفاؤه، وقبل فوات الأوان.
أبو علي، كبقية سكان الوادي، لا يقاضي ضيوفه، فهو منذ ما يزيد على العشرين عاما وهو يستقبل، يوميا، وقبل مطلع الشمس ما يقارب عشرة من رجال الحارة، يزيد هذا العدد أو ينقص، وبكل رحابة صدر، وابتسامة عريضة دائمة على محياه يقدم أبو علي التمر والقهوة، ويقدم بأريحية معهودة ما يتيسر من زاد بيته لضيوفه. ضيوف العشة لا يشاركون أبو علي في تكاليف ما يصرفه عليها، كما أنه لا يقف منتظرا من ضيوفه أن يحاسبوه ويدفعوا له ثمن ما قدمه لهم بعد خروجهم وانصرافهم إلى مساكنهم.
***
الصيف موسم المواسم، موسم الحصاد، وموسم التمر، وموسم الإجازات ،وموسم الهدايا، وهو أيضاً، موسم المطالبات والمنازعات القضائية .
أغصان الأشجار الممتدة على ضفتي الوادي تتحول في موسم الصيف إلى ميدان رماية للصيادين الذين يقضون فيه وقتا ممتعا وحذرا في عملية ترقب مستمرة للطيور المهاجرة، الكرور (القميري ) والصفر.. والجبال المحيطة بالوادي ميدان صيفي آخر لصيادي الحجل، وأبو عتاري عادة يحظى بنصيب وافر منها إذ أنه يتفنن في صنع فخاخ خشبية ينصبها ويضع في داخلها حب قمح وماء، ويقتنص بها أعدادها الهائلة عند اشتداد الحر وعندما تجف حناجرها، وتنزل، لاهثة، من أعشاشها في الجبال باحثة عن المياه في أطراف مزرعته.
قبل حلول المساء يخرج أبو عتاري متقلدا مجندته ويجمع بها ما تصطاده الفخاخ، وعندما يقفل عائدا يسلم كل من في طريقه نصيبه من طيور الحجل، ويحتفظ بنصيبه لنفسه ولبعض ضيوفه.
أما عندما يتوقف أمام بيت الشعر الخاص بأبوغوينم فإن الأمر يختلف، إذ أنه يحرص على تسليم نصيبهم لـ "نوير" ويردد، مبتسما، بعد أن يسلمها الحجل "حج بقضا حاجه " .
كما أنه لا ينسى صديقه عتيق الذي يجلب له المجلات، ويجلب له صورة نجاة الصغيرة، وعندما يكون الصيد كثيراً فهو يكافئه بحجلة واحدة عن كل مجلة.
عندما انشغل أبو عتاري لفترة طويلة في العمل في "المطاين" حيث يصنع اللبن "الطابوق" الطيني، فقد كان ينصب الفخاخ قبل أن يذهب إلى عمله صباحا، ويوكل عتيق وأحد أولاد أبوغوينم لجني محصول الفخاخ وتوزيعها بنفس الطريقة التي اعتاد عليها، وعندما يعود إلى مزرعته بعد اختفاء الشمس وهيمنة الظلام يجد نصيبه في مدخل المزرعة محفوظا في صندوق أعد لهذا الغرض، ويبدأ في نتف ريش الحجل وإشعال النار وتحضيرها للشواء.
صرخ أبوعتاري مرة، غاضبا، عندما عاد من عمله في إحدى الليالي لأنه لم يجد نصيبه من الحجل في مكانه المعتاد:
- من هذا " ابن …….." الذي تجرأ على الاقتراب من مزرعتي وأخذ الحجل ؟
عتيق الذي جلس أمام منزله منتظرا مرور أبوعتاري لإبلاغه بما حدث قبل أن يصل إلى مزرعته، أخفق، لأنه دخل إلى المنزل لقضاء بعض حاجته، ولم يتمكن من رؤيته قبل وصوله. رد بصوت عال عند سماعه قائلاً:
- لا أحد، لم يجرؤ أحد على ما ظننت به، ولكننا اليوم لم نجد في الفخاخ طيورا كالعادة، فقد تجمعت مجموعة من السيارات في " الجرّ " بين مزرعتك وسفح الجبل ونزل منها مجموعة من الرجال الملثمين، وبدأوا بإطلاق رصاصات من بنادقهم على أسراب الحجل قبل نزوله إلى المزرعة، واصطادوا منه كميات كبيرة، ولم نتمكن من منعهم، وانتظرنا نزول الحجل بعد رحيلهم، لكن يبدو أن الحجل أصيب بنوبة من الفزع والرعب وأختار أماكن أخرى للنزول إلى الماء.
أبو عتاري الذي لم يتمكن في أحد الأيام من استخدام عقله بصورة صحيحة، والتفكير بعواقب الأمور لم يستطع أن يغير من طباعه، ويتحول بين ليلة وضحاها إلى فيلسوف يتلاعب بالألفاظ ومخارج الحروف مثل السولفكي، أو إلى منطقي يحاول أن يوازن بين القوى ويؤرجحها وفق ثقلها وحجمها كما يفعل عتيق.
اغتاظ ابو عتاري لهذا التصرف الذي بدر من هؤلاء القتلة الذين أفزعوا بأصوات بنادقهم الطيور في أعشاشها، وحرموه من وجبة شهية كان لعابه يسيل لها منذ أن بدأ في الاستعداد لإنهاء عمله في " المطاين ".
بدأ دمه يغلي في عروقه، وتوجه باللوم لعتيق وأولاد أبوغوينم:
- ولماذا لم تحاولوا منعهم من هذا التصرف الأهوج ؟
- لم نجرؤ على ذلك، فلديهم بنادق وأسلحة ؟ أجاب عتيق.
- وهل تخيفكم بنادقهم، أظننتم أنفسكم حجلا ؟
- الله يسامحك يابو عتاري، لكن من المحتمل أن يستخدموها دفاعا عن أنفسهم .
- يا إلهي، إلى هذا الحد أنتم جبناء، هؤلاء أعداء، الذين يتصرفون بهذه الطريقة أمام مزارعنا أعداء ينبغي إيقافهم عند حدهم، لا بد أن يحترموا حرمة المزارع، ويراعوا شعور أهلها، ولا يتصرفون بهذه الفوضوية، نحن لا نصطاد الحجل بهذه الطريقة، نرشق أسرابه بصغاره وكباره، بذكوره وإناثه.
- أنتم رأيتم بأعينكم أنني أطلق سراح الفراخ والأمهات عندما أجدها حية في الفخ، أما أن ترشق بهذه الطريقة الرعناء فلا أعتقد أنكم ترضونه لهذه الطيور، وسوف يقضي هذا التصرف على نموها وتكاثرها في المستقبل في هذه الجبال.
- لا تخف يا صديقي، ستجدها في الغد تنزل مستخدمة نفس الطريق، فمزرعتك أقرب مزرعة لها، والماء في المزارع الأخرى بعيد عن الجبل.
- يا عتيق، الذي يُروع بهذه الطريقة لا يعود، اسأل مجرب، وأملنا مستقبلاً في أسراب جديدة لم تروع. لكننا الآن أما أن نحمي هذه المنطقة ولا نسمح لأي مخلوق بالاقتراب منها، وأما أن نتخلى عنها لكل من هب ودب، ليمارس ما يريد بحرية تامة ويحرمنا من قوتنا اليومي من اللحم.
غوينم ولد أبوغوينم الذي حضر جزءا مما دار بين عتيق وابوعتاري كان يراقب انفعال ابوعتاري، وتغيّر قسمات وجهه وهو يوجه اللوم لعتيق وله، سأل بفضول:
- ولكنك تستخدم البندقية في رشق الطيور عندما تزورنا في البر مع أقاربك الذين يعملون في الظهران.
أبوعتاري مبرراً:
- هذا في البر، الطيور في الصحراء، نلاحقها في الأشجار، ونطلق عليها الرصاص، ليس لها مكان معين، أو أعشاش معروفة، وكل ما نصطاده منها كبير، لا يوجد بينها فراخ صغيرة أو أمهات. هذا يختلف.
- وماذا كنت تفعل لو كنت موجودا اليوم ؟
- على الأقل سوف أرجم سياراتهم بالحجارة لأشعرهم بأن ما قاموا به خطأ ينبغي ألا يتكرر، وأننا في المزارع لا نرضى بأن تنتهك مزارعنا بهذه الطريقة. هذا إذا لم أبادر إلى الاشتباك معهم وتلقينهم درسا لن ينسوه في حياتهم.
- ولكنهم وقفوا خارج مزرعتك، ولم يدخلوها، ولم يصوبوا رصاصهم نحوها، صوبوه ناحية الجبل.
- يا غوينم، ما يقع أمام المزارع من أملاك ملك لأصحاب المزارع، حتى لو كان طريقا للمارة أو للسيارات، والكل يعرف ذلك، ولنفرض أن أحدهم أطلق الرصاص بنفس الطريقة أمام منزلك ماذا كنت تفعل ؟
-أمنعه بأي طريقة ممكنة، حتى لو أدى ذلك إلى القضاء عليه وقتله، لكن هذا منزل وهذه مزرعة، ولا وجه للمقارنة.
- ……………..
- المهم الآن ألا يتكرر ما حصل، وإلا بحثت عن غيركم لأداء هذه المهمة، والشكوى لله .
- أبشر يابو عتاري، لا يكون خاطرك إلا طيب. يرد عتيق لينهي الحديث خوفا من تطورات أخرى تحرمه من حقه من الحجل، ومما يحصل عليه منه، مضافا، مقابل المجلات.
بعض الناس يتخذ من الصيد هواية يقضي بها وقت فراغه، ويوفر ما يحتاج لها من أدوات صيد، وبنادق خاصة، وقوية، وبعضهم يطارد الطيور بسيارته في أشجار الطلح والأثل في الأودية المجاورة. أما البعض الآخر فهي بالنسبة لهم مصدرا لرزقهم، ورزق أولادهم، فهم يجندون أنفسهم وأولادهم مستخدمين بنادق قديمة أو ما يعرف عند سكان حارة الوادي بـ" النبابيل " وينثرونهم في الحقول لجلب هذا الرزق الحلال الذي لا يتوفر إلا في هذه الأيام المعدودة من السنة.
وما كل من يهوى صيد الحجل يقبل على صيد القميري (الكرور) والصفر، فهذا النوع من الطيور المهاجرة والتي يصادف نزولها في كل عام حلول موسمي القمح والتمر، يتطلب صيده عملية طويلة من الترصد والملاحقة لا يجيدها إلا من شغف بها من الناس، واكتملت لديه حواسه التي تعينه على التدرج في كيفية الوصول إليها وصيدها. وقد حرم من هذه المتعة من كان لديه عاهة مستديمة تعيقه عن ممارسة هذه الهواية، أو من قصر في النظر أو السمع لا يستطيع معهما أن يستخدم البندقية للتسديد والرمي.
لكن أبو فهاد والذي يعاني من قصر شديد في النظر يصر على ممارسة هذه الهواية، فهو يخرج مرتديا ملابسه الشتوية في حمأة القيظ، واضعا نظارته الشمسية السوداء – مكسورة العدستين - على عينيه ومتقلدا بندقيته " الكبسون "، ويسير في وسط الوادي كحارس قلعة عسكرية، وعندما يمر بشجرة أثل كبيرة يتوقع أنها مكان محبب لهذا النوع من الطيور يبدأ بإصدار أصوات " يح، يح، يح " (أصوات زجر للطيور ) تحملها على الطيران والانتقال إلى شجرة أخرى، ليتمكن من رؤيتها وتحديد مكانها بعد نزولها، ورصدها جيدا، وملاحقتها في مكانها الجديد وصيدها. ومع شغفه وحبه لهذه الهواية وتعلقه بها إلا أنه لا يظفر من الصيد إلا بما يصطاده مصادفة، أو بما أصابه "رمية من غير رامي" كما يقال في الأمثال.
ولا يجد أبوفهاد ضيراً من إصرار بعض الصبية من أحفاده وأصدقائهم على اصطحابه لهم في رحلة الصيد، فهم يقومون بمجموعة من المهام التي تختصر له الوصول إلى الهدف، والصيد بسهولة دون المرور بالعقبات التي ترهقه عندما يكون منفردا، وتحمله على العودة مبكرا دون أن يظفر بعدد مجزٍ من هذه الطيور، والتي تزيد في بداية نزولها وتتراجع يوما بعد يوم. وفي نهاية كل يوم يقف أبو فهاد أمام بندقيته مسجلا اعترافه ومرددا " العيب ما هو فيك، العيب في راعيك " .
ويغلب على بعض الشبان الصغار العبث بالكبار والاستخفاف بهم فهم عندما يرون أبو فهاد متقلدا بندقيته، وبادئا مهمته اليومية يجرون أمامه ويؤشرون له على بعض عقد الأثل والأعشاش ويوهمونه بأنها طيور، وأنها قريبة وسهلة المنال، يشمر أبو فهاد عن ساعديه ويبدأ في تصويب بندقيته تجاهها، ويكتشف بعد نهاية العملية أنه أضاع طلقة ثمينة، وأنه أكل هذا المقلب من هؤلاء العابثين. ويمعن بعضهم في مقالبه عندما يدعو أبوفهاد إلى عمق أحد المزارع موهما إياه بأن أسرابا من طيور " الكرور" نزلت لتوها وأنها تقضي وقت القيلولة في الأشجار القصية في هذه المزارع، وعندما يتوسط أبو فهاد من المزرعة يهرب هؤلاء العابثون ويتركون أبوفهاد لقدره مع صاحب المزرعة، والذي غالبا ما يدعوه لتناول القهوة والتمر، ويرشده بعد صلاة العصر للخروج من المزرعة أو توصيله إلى منزله.
ويجد أبو فهاد في اقتسام الصيد مع أحفاده، على وجبة العشاء، متعة أخرى لا تقل عن تلك التي يحصل عليها أثناء الصيد وملاحقة الطيور، وتتضاعف المتعة والشغف كلما كانت أعداد الطيور قليلة، وكلما كانت أنصبة المقتسمين لا تتجاوز في أغلب الأحيان نتفة من صدر، أو قطعة صغيرة من فخذ.
أما أبو عتاري والذي لا يقل عن أبو فهاد شغفا بالصيد فإن ضخامة جسمه تحرمه من ملاحقة هذه الطيور والتي يتطلب صيدها خفة وقدرة على الحركة والرصد والتركيز، والمنافسة مع مجموعة من الصيادين المهرة، والذين يتناثرون في حقول الوادي، ويزيدون في بعض الأحيان عن أعداد الطيور التي يلاحقونها.
***
مع حرارة الصيف، وتقاسم الغيوم والأمطار والشمس بأشعتها البلورية للفضاءات الشديدة الزرقة ترتفع في حارات الوادي حرارة النفوس، تشتد، وتبدأ بالنفور من بياتها الشتوي الطويل لتحلق في الفضاء وتعانق الشمس، وتبحث عن رئة أخرى تتنفس بها بعيدا عن التجمعات الاضطرارية والقسرية، و" النسريات " وطقوس الشتاء والبرد القارس …
إبليس " وأعوذ بالله من إبليس، الله يدحره، ويكفينا شره " ينشط في الصيف، وتتفتح شهيته للكد وبذل الجهد والعمل، وتزداد ساعات عمله، ويضاعف البحث بمساعدة أعوانه من البشر لمضاعفة زبائنه ورفاقه وأعوانه.
لم تخف ملامح وجه أبو عتاري سعادته عندما قدم إلى عشة أبو علي، فبعد إلحاح من أبو علي ذكر أبو عتاري أن أبوغوينم الراعي، الذي " يودع " لديه سكان الحارة بعض أغنامهم عندما يعود إلى البر شتاء، قدم من البر وسكن في الشعيب مقابل مزرعته، وأنه يحتاج اليوم كاملا لبناء بيته، بيت الشعر، والراحة . وبعدها سيحل ضيفا مستديما كعادته على عشة أبو علي، وسيضاف إلى مجالس الحارة عصرا مجلس آخر في بيت أبوغوينم. والذي اعتذر هذا اليوم عن هذه المهمة، ومن الغد، يضيف أبو عتاري، أنتم مدعوون، كما أوصاه أبوغوينم نفسه، لتناول القهوة في بيته.
***
بعد غياب لم يدم طويلا عن العشة ومرتاديها، اتكأ – صاحب سيارة القلاب - ابن لافي في صدر المجلس، واعتدل في جلسته في "عشة أبو علي " نزع بقوة غترته و" طاقيته " ووضعهما أمامه، إذ إنه لا يحتملهما وهو يسير في الطريق فكيف يبقيهما على رأسه جالسا، اتكأ بارتياح كأنما فرغ من مهمة شاقة، ويريد أن يشعر الحاضرين أنه متفرغ لهم وليس لديه، بعد اليوم، ما يشغله عنهم، بدأ بفرك عينيه، ومقدمة شعر رأسه المعروق، تناول التمر "القدوع"، ودلق له أبو علي فنجانا من القهوة، أشعل سيجارته، التفت إلى الحاضرين، تمعن جيدا في وجوههم، تفرس الأشياء من حوله، وقال مبتسما:
- " ما تدرون وش اللي صار أمس يا الربع ؟ "
- وش صار ؟ " تساءل بعض الحاضرين بلهفة.
- " يقولون إن الشيخ (القاضي ) أمس طاردن عبيد المنفلت من جلستهم بالمحكمة ." أجاب ابن لافي بعدما أحس أن بعض من في العشة عرف بخبر الطرد، ولكنهم جميعا يجهلون سببه.
- " ليش يطرده ؟ ما قالوا أن مطالبتهم قربت تنتهي وأن ابن زيدان الرقعة يمكن يتنازل عن بعض حقه بالبرج ؟ " تساءل أبو علي باستغراب.
- " لا، يقولون إنه قبل جلستهم عند الشيخ أمس قابل عبيد المنفلت "أبو حاجه" عند باب المحكمة .
- " وبعد وش صار ؟" أبو علي مستعجلا ابن لافي لسرد التفاصيل، وذلك بعدما عرف أن " أبو حاجة" حل طرفا في موضوع الطرد، وأحس أن في ذلك طرفة جديدة سطرها أبو حاجة – كعادته – إلى جانب طرائفه السابقة في سجل المحكمة.
يجفف ابن لافي عرقه بطرف غترته، يمسح شفتيه الملتويتين ككليتي بعير، يأخذ نفسا طويلا من سيجارته، ينفث دخانها في سماء العشة، ويستطرد:
- وطلب منه يشهد معه، وانتم تعرفون أبو حاجة لا يخبر شيء، ولا يحفظ الشهادة، ورجّال يحب الحمية، ويحب الفزعة لربعه وللناس اللي يعرفهم، وبعض الجماعة – ما يستحون - يلقنونه الشهادة عند باب المحكمة، ويدخل ويشهد باللي يقال له، وأحياناً يغلط ويطرده الشيخ، ولا هذي بأول مرة ينطرد فيها أبو حاجة، لكن انه من حبه للفزعة ما يجوز، المسيكين، كل المشايخ طردوه، ما بقى شيخ ما طرده. عاد يقولون إن الشيخ طردهم كلهم هو وعبيد المنفلت ".
- الله يقطع إبليس، بالله عليك وش قال أبو حاجه ؟ أبو علي تساءل.
- يقولون أنه يوم دخل طلب منه الشيخ يورد شهادته، يقولون وقف قدام الشيخ وتلفت على الحاضرين وقال: بأولاد الحلال يا شيخ أشهد إن البرج برج عبيد المنفلت وانه يملكه أبا عن جد، ويقولون أنه قال إن أبو عبيد المنفلت " الشايب، المنفلت الكبير رحمة الله عليه " موريه ورقة معه قديمة، سند عطا، لأحد جدودهم الأولين. يقولون ما خذنا وحنا جالسين عند الشيخ إلا يوم التفت أبو حاجة على عبيد المنفلت وقال له: أريتك وش اسم البرج ؟ يقولون ضحكوا كل الناس اللي بالمحكمة، حتى الشيخ عجز يمسك نفسه من الضحك، وقال لهم: خذ شاهدك يا عبيد واطلعه، واطلع أنت وإياه، ولا أبي أشوف وجيهكم، وإلا ترونن سجنتكم ."
قهقه الحاضرون بصوت عال، وعلا صوت ضحكهم وقهقهاتهم في عشة أبو علي. أما أبو علي فلم يتمالك نفسه من الضحك، وترك ما بيده، واستلقى على قفاه، وأخذ يمسح دموع الضحك بيديه وأطراف ثوبه، ويردد سؤال أبو حاجه متندرا: " أريتك وش اسم البرج ؟ " ويغرق في الضحك مرة أخرى، رافعا قدميه إلى أعلى، ويضرب موقد النار بالملقط، ويضيف " ما سبقت عليه يابو حاجه، الله يقطع سوالفك ".
السولفكي، الجار الشمالي لمزرعة أبو علي، يتخذ من طرف عشة "أبو علي" مقرا دائماً له، يحضر صامتا، يلقي التحية على الحاضرين ويبدأ بعد أن يعرف موضوع الحديث بالحديث، ابتسم مع من ابتسم، وضحك مع من ضحك، وقهقه مع من قهقه، ولكنه كان يرتب في ذهنه لاقتناص اقرب فرصة مناسبة والتقاط طرف الحديث، وتسيير دفته، وتوجيه أسماع وأنظار الحاضرين إليه، ليردد لهم، بحنق، ما يفعله " وجه ابن فهره " بعائلة " عبدالمحسن " الجار القبلي لمزرعة أبو علي:
يقولون كفانا شر ما يقولون، حدثنا ولد أبو جابر الدسم، وكان جارا لولد وجه أبن فهره، شاب صغير في أعمار أولادكم، ولكنه شغف بسوالف أبيه وجده، وعلمه بسوالف الرجال وأخبارهم وأشعارهم جم، وماله لا يحصى، حدثنا عن أبيه عن جده قال: وجه ابن فهره، ياجماعة الخير، عض اليد التي مدت له، وتنكر للناس الذين يقول إنهم أكرموه بعد قدومه جائعا، وكسوه بعد أن كان عاريا، والبسوه نعالا بعد أن جاء على أقدامه حافيا من قريته البعيدة المهجورة، واستسقوه قطعة متطرفة من مزرعتهم، وأخرجوا لها ماء من بئرهم، وبعد أن تمسكن مدة من الزمن، تمكن، فقد كانت نيته خبيثة، وطويته فاسدة، وجد في خجل وصمت شيبان العائلة منفذا سهلا للدخول، والحصول على ما يريد والتشهير بهم، فاستغل صمت وحياء شيوخهم، وتهور واندفاع شبابهم وأولادهم الصغار فاخترق هذا التراث المتوارث، وأحدث شرخا في جدار الصمت الذي بناه التاريخ، وأحاطته الأيام بسياج حديدي حول مزرعة ومساكن " أولاد عبدالمحسن "، هتك وجه ابن فهره ستار الحياء، وأشاح عن وجه أفعواني نهم وملهوف، فسبح وعام في خصوصياتهم، وفي حياتهم الخاصة، وفي أخلاقهم أمام الشيخ والناس في المحكمة، ولم يترك في قاموسه البذيء كلمة حقيرة إلا واجترها لينعتهم بها، متهما إياهم بالكذب حينا وبالتزوير أحياناً، ومحاولة طرده والاعتداء عليه والتخلص منه، واستعادة الأرض التي يقول، كذبا وبهتانا، أنه اشتراها منهم من حر ماله، وأنه لثقته بهم في ذلك الوقت لم يطلب منهم تدوين المبايعة في وثائق رسمية ".
وعندما يريد السولفكي أن يثير الحاضرين، ويجعل للحديث متعة أكثر فقد كان يقف لحظات، ويتفرس وجوه الحاضرين، ويعب كوب الشاي الذي ناوله إياه " أبو علي " ويستطرد بمبالغة ملحوظة أحياناً، ويبدأ ويعيد، ويردد، مؤكدا أن قضيتهم الآن في المحكمة مثل قضية فلسطين في مجلس الأمن، وأنها لن تنتهي، وأنه تعاقب عليها عدد كبير من المشايخ، وبدأ بعضهم بها وتقاعد، وتوفي بعض " الشيبان "، وتوارثهم الأبناء، وتستأنف القضية بعد كل فترة ويتم إحضار أوراقها أمام الشيخ محمولة على الأكتاف في " خيشه "! .
- " بخيشة، بخيشة يا جماعة الخير أنا شايفه بعيوني اللي يبي يا كلهن الدود ." بثقة متعارف عليها السولفكي مؤكدا بعدما لاحظ تردد البعض في تصديق ما يقول، بينما بدا البعض الآخر يتناظرون فيما بينهم !.
- هو اللي يقولون أنه يحلف، قدام الشيخ، ويلتفت وراه ويستغفر ؟ يتساءل أبو علي .
- "الله، الله،هو، وصلت، وصلت، أجل تعرفه يابو علي؟ بابتسامة تنم عن ارتياح يتساءل السولفكي.
- إي نعم، أعرفه "
ويضيف السولفكي، بعد أن تأكد من خلو المكان من أقارب وجه ابن فهره:
- "ما يستحي، طايرة حمامة وجهه، وذكي يابو علي، نمرود، أفعى، يحول ولا يحال عليه، وعنده حجة ماهي عند أحد غيره، حججه كثر شعر رأسه، يجي للمحكمة وهو مليان إلى شوشته حجج، يقولون أنه يردد حججه بالليل، ويحضره مع جيران له أظنكم تعرفونهم يا جماعة ؟
هز بعض الحاضرين رؤوسهم بالإيجاب ، وأضاف:
-" وإذا جاء الصبح دمغ به غريمه عند الشيخ. وتخبر ربعك " عيال عبدالمحسن " يستحون، ولا ودهم يدخلون معه بسين وجيم ."
هذا معروف، هذا قليل حيا، هو اللي يقولون انه صار يمرس الجدار على (السري) يبي يأخذ مكانه ويضمه لملكه ؟ تساءل " الخلقه " أبو قاسم.
- " لا يا شيخ، لا يابو قاسم، الله يطول لي عمرك، لا تلخبط سوالف الناس، هذي وأنت الصادق سالفة ثانية ". رد السولفكي. واستطرد " هذي بين ولد أبو صلهامه وعيال عمه، هذا يقولون انه إذا طلعوا من المحكمة متطالبين راح وفجر الماء وبدا مثل ما قلت، الله يسلمك، يبي علشان يضم مكان الجدار لملكه إذا ما دري فيه أحد".
- " يا ويله من جهنم " علق بعض الحاضرين. ويستطرد السولفكي:
- "يبـي يضم مكانه لأرضه، والا يضيع معالم الأرض، ويوهم النظراء إن القسمة الأوله ما حضره هو، ولا هو راضي عنها. وهو بس ما يـبي إلا مكان هالجدار من ملكهم. وهم، يا غافلين لكم الله، مساكين، ما يدرون، لكن البلوس ولد قليط البلوس كل ما يمر ويشوف عمله، يروح ويبلس عليه عند الشيخ، والشيخ، تخبر، رجال يحب الخير، ونزيه، ويذل من عواقب الأمور، يرسل لهم خادم ويحضرهم كلهم" .
- "وعيال عمه ما هم فلاليح ويشوفون وش يعمل بملكهم ؟ تساءل أبو علي بحنق".
- " لا، مالمك أحد يا رجال، مشغولين كل بقرن فلاته، " واستطرد السولفكي ساخرا: " اللي دلال بسوق العفون ما هو يم الفلاحة، واللي يمتر الشعيب رايح جاي يدور السوالف والتعلل والقيل والقال، و" القعده" الصغير، الكريه أبو شوشه، ضايع مع هالجذعان ينطلون غنم من الرعيان ويبيعونهن بالسوق ويشرون بقروشهن تتن وما تتن، وهذا اللي قلت لكم مرة إن الشيخ بحدى جلساته معهم طرده من المحكمه لأنه شافه قبل ما يدخل للمحكمة معه رادو ويتتن عند باب المحكمة،. ".
يأخذ السولفكي نفسا طويلا، يتنهد، يتأوه، يصدر أصواتا يتحسر فيها على مافعله ولد أبو صلهامه بملك عمه وأبناء عمه، ربما أنه أراد أن يريح الحاضرين من هذره الذي طال، يحدق في خشب النخل الذي استخدمه أبو علي ليسند به زوايا عشته، يقف منتصبا، يغير مكانه، يجلس مرة أخرى، يعتدل في جلسته، ويضيف:
" ضيعوا ملك أبوهم، وضاعوا، وازيدك من الشعر بيت، ما يتدانون، ما واحد منهم يحب الثاني، فرقنهم الحريم، يدخلون يتغدون ويتعشون ولا واحد منهم يكلم الثاني، واذا أنت تكلمت مع واحدهم عن وضعهم وحالهم قعد يسب أخوته بكلام، يابو علي، ماينقال. ثم أنهم ما هم مدركين شيء مع هالسعلواني، ويقولون بعد، أنه بعد مافلجهم عند الشيخ، وانتهت معاملتهم، غرس له غريسه بجمب القليب الجديد اللي بدعوه، وقعد يسقيها كل يوم، يـبي علشان ينهار القليب، وما خذا له عشرين يوم إلا يوم انهار جال القليب على ( طرنبتهم ) ودفن مواسيرهم والمكينة تشتغل ".
- اللي يسقي النخلة ما هو العفن ؟ قاطعه " الخلقه "
السولفكي لم يستطع إخفاء استيائه وعدم ارتياحه من المحاولات المتكررة التي يمارسها أبو قاسم الخلقة لحث شباب الحارة على السفر إلى الظهران للدراسة والعمل في شركة ارامكو أو" رامكو ،" كما يسميها الخلقه، إذ أن سفر أحدهم يعني له أنه لن يعود، ومع الزمن سوف يجد نفسه وحيدا، ولا يجد من يستمع إلى أحاديثه في عشة أبو علي.
تكوّر السولفكي، كقط أتيحت له الفرصة كاملة للانقضاض والإجهاز على فريسته، ورمق الخلقة بنظرة حادة، مستهجنا فيها ما يصدر منه من تعليقات مغلوطة، وقال بلهجة ساخرة:
- " أنت يابو قاسم من طرشت لظهران وأنت صايرن درويش، نسيت سوالف ربعك وجماعتك، ياملا الخير، وش دخل هذي بهذي ؟ "
- " روحتي لظهران ما عابتني ولا لها دخل بالموضوع يالسولفكي ،" رد الخلقه نافيا عنه هذه التهمة التي ألصقها به السولفكي، وكمن يريد الانتصار لنفسه بعد هزيمة ساحقة، وبعد يأس من عدم القدرة على الرد، تعمد الخلقه أن يصدم الراويتين ببعضهما البعض، واستطرد:
- " لكن ابن لافي هو اللي يحكي علينا، وهذا هو حاضر موجود، وخذ من رأسه "
- " لا، يابو قاسم الله يهديك، أنا ما خبر أني قلت إن العفن هو اللي يسقي النخلة، أبد، بس اذكر الله. " رد ابن لافي بكل أدب، متلافيا السباحة في بحر عميق لا يملك كل المهارات المطلوبة للسباحة فيه، و يرى أن في عشة أبو علي من يملك هذه المهارات ومن هو أقدر منه على الخوض في تفاصيل الأشياء، وخاصة ما يتعلق منها بالدعاوى القضائية، والمنازعات على الأملاك.
- لا إله إلا الله، لكن أكيد أنك كبرت، وانشغلت بالقلاب وطمعت، وصرت تنسى ". رد الخلقه بلهجة ضعيفة توحي بأنه سحب نفسه من الإمساك بخيط طويل لا يستطيع رؤية طرفيه.
- " لا والله إلا أنت اللي كبرت وخرفت، والا ابن لافي رجال عاقل، وعنده سوالف الرجال، ماهي عندك ". رد السولفكي باستياء بعدما لاحظ تجاهل أبن لافي لما قاله عنه الخلقة، وكان يريد التأكيد على عدم ارتياحه لطريقة سؤال " الخلقه " وتكرار خلطه للروايات، وإصراره على رواية الخطأ، حتى بعد نفي من أسند عليه الرواية، واستطرد موضحا:
- " العفن يتطالب هو وولد مسلط على أرض بيضاء، بيضاء، ماحوله لاماء ولا مرعى "
يجد السولفكي في تأييد أبو علي، وفي إحجام ابن لافي عن الحديث أثناء وجوده، وفي جهل " الخلقة" بخفايا بعض القضايا والمنازعات فرصة ذهبية مناسبة لاستلام زمام الحديث، وتفصيل دعوى العفن مع ولد مسلط، والتي يذكر بأنها نالت أكثر من حقها، وأعطيت من المحكمة ردحا من الزمن غطى وتجاوز كل الدعاوى والقضايا الأخرى، ولم ينس أن يوضح للحاضرين، في عشة أبو علي، أن الادعاء لازال قائما، وأن أحفاد أصحاب الدعوى يترددون بين الحين والآخر على المحكمة لحضور الجلسات التي تعقد بشأنها. وأن جيلا ثالثا، وربما رابعا، من المشايخ ينظر في القضية الآن، ولربما امتد بها الزمن حتى نهاية القرن.
الكل يلاحظ أن أبو قاسم الخلقة لا يجرؤ على الوقوف بقوة أمام السولفكي، وكل من في عشة أبو علي يجهل سر وسبب ذلك. فأبو قاسم الخلقة رجل قوي وثري، وزادته الغربة والأسفار المتكررة والوظيفة ثقافة وعلما وثقة بنفسه، ولكنه عندما يتعلق الأمر بالسولفكي فإنه يبدو ضعيفا، ويتلصص كفأر حذر باحثا عن أي مخرج يجنبه التصادم معه، والسولفكي من جانبه لا يستطيع إخفاء سر دينه الذي جاوز العشرين عاما، ذلك أن أبو قاسم الخلقة مدين للسولفكي بمبلغ زهيد، وكان ذلك أجرة عسفه وترويضه لعدد من حميره عندما كان الخلقة مزارعا قويا قبل أن يلتحق بالعمل في الظهران ويهمل المزرعة، كما أن السولفكي بدوره لا يستطيع نسيان هذا المبلغ، وأنه محتاج له أكثر في ذلك الوقت، وفي كل وقت. ويذكر جيدا أن أبو قاسم الخلقة قبل أن يذهب للعمل في أرامكو لم يسدده ذلك المبلغ، وأنه ماطل كثيراً في وعوده له بتسديده، وحتى بعد تردده على المدينة في الزيارات الصيفية كان السولفكي يذكره به وكان يتهرب منه، ويختلق الأعذار، ويدعي أنه لا يملك المبلغ، ويعده في مرات لاحقة، مطمئنا، بأنه سيقوم بتسديد المبلغ له مضاعفا، ومرت سنوات، وسنوات، وتقاعد الخلقة، وعاد، وأحيا مزرعته من جديد، وشيد فيها قصرا فخما، جلب مواده وأثاثه من أماكن بعيدة، وصرف عليه مبلغا ضخما من حقوقه التي حصل عليها من الشركة. ولم يكن في نيته تسديد المبلغ الزهيد أو جزء منه للسولفكي.
كما أن السولفكي لا يروق له ما يقوم به الخلقة وأبو عتاري من تحريض لسكان الحارة ممن تقع مزارعهم على حافتي الوادي، وحثهم على مطالبة الحكومة بنزع ملكيات أملاكهم، وتوسعة مجرى الوادي حتى لا تتعرض هذه الأملاك لجرف السيول عندما يفيض الوادي غزيرا في بعض السنوات، ويدمر ما يجد في طريقه من محاصيل القمح والبرسيم والشعير وأشجار النخيل، والحيوانات، والبهائم، وأحياناً يتجاوز إلى داخل الحارة ويجرف معه بعض المنازل القريبة من ضفة الوادي، ويدمر، ما يتسرب منه، الأملاك والمنازل في المناطق المنخفضة داخل الحارة، ويعلل السولفكي سبب معارضته لهذا المشروع في أنه لا يريد تغيير معالم الحارة، ويريد أن تبقى البيوت والمزارع كما هي، ويؤكد دائماً أن هذه الأماكن هي معالم تسجل تاريخ الحارة، وتحمل ذكريات أجيال ذهبت يتذكرها هو وكل من هو في سنه، ولا يريد أن تتغير هذه المعالم أو تغير، وكان يقترح مع مجموعة أخرى معارضة أن يقوم المطالبون بدلا من مطالبتهم هذه، بطلب أراض سكنية في المخططات الجديدة القريبة من حارة الوادي. وبعيدا عن كل احتمالات أسباب المعارضة فإنه لا يخفى على أحد من مرتادي العشة أن سبب معارضة السولفكي لهذا المشروع تكمن في كونه بعيدا عن الوادي وأن مزرعته لا تقع على ضفافه، ولن يستفيد في حال استجابة الحكومة لهذا الطلب من المبالغ التي ستصرف لمن تنزع أملاكهم.
يحدق السولفكي في وجه وعيون الخلقه، ويتمعن في الزوائد التي تركتها آثار النعمة في الظهران علي صدغيه ورقبته، والجزء السفلي من بطنه، نظرة في وجهه ونظرة إلى أعلى، في السماء، ولو رفع يديه إلى السماء لظن الحاضرون أنه يدعو له أو عليه، أعاد التحديق مرة بعد مرة وصمت طويلا " يا إلهي، ماذا تريدون منا، ما الذي تبقى فينا وعدتم لتجهزوا عليه. خطفتم وتزوجتم أجمل البنات، التحقتم بالعمل بعد أن اختلطت رؤوسكم وشواربكم بالشيب، وعدتم لتتزوجوا أصغر البنات، لتشتروا أصغر البنات .
الأسعار بعد زيارتكم المشؤومة الأولى طارت، حلقت بعيدا، لم نستطع مجرد النظر إليها بعد ذهابكم.
خطيبتي حسناء خطبت وتزوجت وذهبت، مهنتي ومهن أخرى كثيرة اختفت، اختنقت بعد زيارتكم السوداء،. حقا، ماذا تريدون منا ؟ هل عدتم للتأكد من أننا أحياء، والدم يسري في عروقنا؟ أو أننا أحياء ونرقب تحركاتكم بعين الحسرة ؟ ما الذي لم تطله أيديكم ؟ نخلنا، مزارعنا، منازلنا ماذا تريدون منها ،؟ حقا ماذا تريدون ؟ بيعها مقابل حفنة من الريالات ؟ هل تريدون ثراء إلى جانب هذا الثراء الفاحش الذي تعيشونه ؟ "
وكأنما أفاق من سبات عميق تنبه السولفكي، وفزع، تلفت يمنة ويسرة، تفرس الحاضرين، اعتذر عن انشغاله عن الحديث مع الجماعة، ولكنه لم يستطع السيطرة على شعور غامض يكتنفه بين الفينة والفينة.
بدأ يلاحظ مرتادو العشة أن ما يحدث له تكرر كثيراً بعد تقاعد أبو قاسم الخلقة، وتردده على مجلس أبو علي. وهو يعتقد جازما أن محاولاته المتكررة لنسيان ما حل به وبمجموعة أخرى من رفاقه لم تستطع السفر للظهران والحصول على وظيفة باءت بالفشل، خصوصاً وأنه يتذكر أنه لم يكن يستطيع، بعد زيارتهم الأولى للمدينة ولأهاليهم، أن يجاريهم في حياتهم وأسلوب معيشتهم، وبعضهم سخر من مهنته، وأخذوا يعيبون عليه الاستمرار في ممارستها حتى أرغموه على تركها، ولم يحاول أي منهم إيجاد بديل له عنها، أو مساعدته في الحصول على مصدر رزق آخر يغنيه عن صدقات وتبرعات الأقارب والأصدقاء، كما أن الكثير منهم وممن استفاد منهم أو تأثر بهم من سكان الحارة تنكر له، وازور عنه، ورفض من خطب منهم تزويجه عندما أقبل على الزواج.
السولفكي الذي عاش حياته عازبا، جاهد نفسه كثيراً لاقناعها بتنكر حسناء له، ورفضها الزواج منه بعدما اتفقا على الزواج، يتذكر حسناء، ويهذي بحسناء، وينام ويصحو على صوت وصورة حسناء، ويتغنى بحسناء، " حسناء، أي أرض تقلك ياحسناء ؟ أين أنت الآن ؟ انتظرتك طويلا، اتفقنا على الزواج بمباركة من والديك، حددنا الموعد، ولم يتبق لنا إلا طلب يدك من والدك وإتمام مراسم الزواج. " وأحياناً لا يجد نفسه إلا أمام حسناء، ولا يسليه في هذا الكون إلا ذكراها، وأحاديثها، ووعودها له بالموافقة على الزواج إن هو تقدم لخطبتها من والدها. ولكن :
" نويصر!، علج منهم، عاد، وعاد بك معه برغبة منك وبمباركة من والدك الجشع، بين ليلة وضحاها اختطفك من أمامي، أغراك بالريالات والذهب وسيارة الفورد، والغترة المكوية، فانقدت معه كنعجة. قبلت بنويصر زوجا وتركت من تعاهدت معه على الزواج، نويصر أصبح زوجا لك، هنيئا لك هذا الثور "الرخو " هذا ما كنا نلقبه عندما كنا صغارا، كانت الدجاجة تأكل غداءه من أمامه ولا يحرك ساكنا. سبحان الله، الفلوس، الفلوس، وما تفعل !!. "