توافد الصبية على ساحة الكتّاب في صبح ذلك اليوم من أيام الصيف الحارة مبكرين كعادتهم، وكلهم يتنافسون على الفوز بإحدى قطع الفُرش البالية للجلوس عليها، هذه الفرش التي لا تزيد على قطع من الحصير البالي، أو نسيج من سعف النخيل كان في السابق معروفاً بالغلق والمكتل، وإن كان كبيراً عرف بالقفة، أما الآن، وبعد أن رق وبلى فأصبح يعرف بالبرش، والسعيد من صبية الكتاب، من يفوز بشيء من ذلك، والتعيس من يقضي يومه جالساً على الأرض مباشرة، حيث تتشبع ثيابه بتراب الدار التي تكنس مرة واحدة في اليوم.
وكلما وفد وافد جديد نبه شيخ الكتاب عن نفسه، ثم اتخذ مجلسه مع أقرانه وأنداده، ومن هم في سنه، ويساوونه أو يقاربونه في درجة الحفظ، وهكذا يحاط الشيخ علماً بالحضور أولاً بأول، وما أن ارتفعت شمس النهار قليلاً حتى بادر سيدنا بعمل مراجعة سريعة على تلاميذه، فكان ينادي وهو في مكانه من دهليز الدار: أحضر فلان يا أولاد؟. أحَضَر فلان؟.. والأولاد يردون ينعم أولاً، وما أن عرف أسماء الغائبين حتى أرسل من زملائهم من يذهب لاستدعاء كل واحدٍ منهم، وما هي إلا دقائق معدودة حتى اكتمل الحضور جميع الأولاد الذين تراوحت أعمارهم بين الخامسة والسابعة عشرة من سني العمر، وارتفعت الأصوات بتلاوات مختلفة النغمات والمواقع، ومن مختلف سور القرآن الكريم وأجزائه، فالأطفال الذين يحفظون قصار السور يرفعون أصواتهم في تلاوة جماعية يقودهم خلالها أكبرهم سناً، وأقدمهم انتساباً إلى الكتاب، والذي يعرف بينهم بالعريف، ويدرك السامع ويميز لتلاوة هؤلاء الصغار نغمات تلقائية محببة تساعدهم على سرعة الحفظ، وإيقاعات تثير الحماس في قلوبهم الصغيرة، بينما الشيخ يتابعهم حتى إذا خرج أحدهم عن المسار الصحيح ردّه بسرعة، وهناك من راح يتلو بصورة فردية، ولكن بالطريقة التي تساعده على الحفظ الجيد، وبينما الجميع منهمك فيما يشغله من أمر الحفظ، وتلاوة الحصص المقررة، صك الأسماع صوت انهيار جدار في الناحية القبلية من تلك الدار العتيقة التي يشغل الكتاب الجانب البحري منها، وانعقدت سحب الغبار الكثيفة في أرجاء الكتاب حتى كادت تخنق كل من فيه من الصبية وأهل الدار، وأظلمت الدنيا حول الجميع، وارتفعت صرخات الست زوبة زوجة شيخ الكتاب وبناتها، وعلت أصوات الاستغاثة، وساد الكتاب هرج ومرج، وبادر الأولاد بالفرار بأنفسهم خارج الدار ظناً منهم أن الدار ستنهار جميعها على من فيها، وهرع الشيخ يتخبظ في ظلام العمي والغبار الكثيف، وراح يحوقل ويسترجع، ويصرخ في الأطفال الصغار أن انصرفوا وينادي كبار الصبية، ومن قاربوا سن الشباب أن يساعدوا إخوانهم على الانصراف بسلام، وهرع إليه أحد تلاميذه الكبار فأخذ بيده تلبية لطلبه، وسار به في اتجاه الجدار الذي سقط، وظل سيدنا يرددك:
لا حول ولا قوة إلا بالله... إنا لله وإنا إليه راجعون.. سترك يا رب، صف لي ما حدث يا ولدي.. – سقط الجدار القبلي يا سيدنا فجأة كما ترى..
-أي شيء أرى أخزى الله شيطانك؟، وهل لو كنت أرى كما تدّعي كنت سألتك عن شيء؟!
-عفواً سيدنا، أقصد أن الجدار القبلي سقط كما سمعت، لأن الرطوبة تمكنت من أسفله جداً.
-وهل أصيب أحدٌ بسوء بسبب سقوط الجدار؟
-كلا يا سيدنا الحمدلله، لم يصب إلا الحمار الأعرج العجوز فقط لأنه كان مربوطاً إلى جانب الجدار مباشرة.
-تعني أنها جاءت في الحمار، مع السلامة، على رأي المثل الفلاحي: "قالوا الإصابة في الريش، قلت: بقشيش"، المهم ألا يصاب أحد من الناس بسوء، فنحن لا نقدر على دفع دية قتيل، ولا تعويض مجروح.
-الحمدلله يا سيدنا، حتى خشب السقف سليم لأن السقف محمل على الجدارين الشرقي والغربي.
-الحمدلله يا بني، الحمدلله. ثم أردف الشيخ ينادي: يا ولد يا بخيت يا ولد يا سيد يا شوربجي، يا ولد يا سطوحي، يا ولد يا عبدالرزاق واستمر ينادي أسماء كبار تلاميذه خصوصاً أولاد الفلاحين الأشداء حتى تجمعوا أمامه، ووقفوا على هيئة نصف دائرة في مواجهة الشيخ وكل واحدٍ يبادر باستيضاح ما يبغيه الشيخ أبو المكارم شيخ الكتاب فقال لهم: ضعوا مصاحفكم في طاقة القاعة البحرية، واخلعوا جلابيبكم وبسرعة قوموا بإخلاء الأتربة، والأخشاب الخاصة بالنوافذ، وأخرجوا الحمار المسكين من تحت أنقاض الجدار، وليقم بعضكم بسحب جثته إلى مشارف الحقول، ولا تنسى يا ولد يا بخيت أن تنادي على ابن الغُرلّة الدبّاغ ليقوم بسلخ الحمار، لعلنا ننتفع بجلده على الأقل في صنع غربال أو غربالين يا ابني بدلاً من أن نخسر الجلد والسقط، وعلى رأي المثل الذي حفظه أجدادنا: " نصف البلا، ولا البلا كله".
-حاضر يا سيدنا، سأفعل ما اشرت به إن شاء الله، اطمئن واسترح.
-أراحك الله يا بخيت يا ولدي.. يا ولد يا سيد يا شوربجي.
-نعم يا سيدنا أنا حاضر.
-عليك أن تأخذ معك ثلاثة أو أربعة من إخوانك إلى جرن الحارة المجاورة لدار عمك المحمودي القريبة لتجهيز معجنة، وخذ معكم بناتي الثلاثة لنقل لنقل الأتربة اللازمة والمياه من طلمبة أبي ناصر المجاورة للجرن، وذلك لإعداد مونة لبناء الجدار.
-سمعاً وطاعة يا سيدنا، أتأمر بأي شيء آخر؟
-يا ولد يا عبدالرزاق أبو خشب عريض، عليك أنت وابن عمك خليل، ومعكما أبو طويلة الولد صابر، عليكم نقض قوالب الطوب السليمة في جانب، وأنصاف القوالب في جانب آخر وإلى جوارها الأرباع والآضية والشناوي،واجعل مع الطوب السليم بعض الكسر استعداداً للحشو عند بناء الجدار من جديد وقوموا بإنزال الطوب المخزون على السطح لاستخدام ما يلزم منه، أما أنت يا ولد يا سطوحي فاذهب لاستدعاء المعلم مختار البناء بسرعة، وإن شاء اله سوف تلقاه نائماً في ظل شجرة التوت القريبة من داره على قناة البحيرة، لأنه خالي شغل هذه الأيام، وكن تحت يده أثناء العمل، يطلب منك قالباً صحيحاً تعطيه، وإن قال لك: هات نصف، أو هات آضية، أو شناوي تناوله ما يطلب فوراً وبسرعة، وخذ بالك من طلباته لأنه أحمق جداً، ويمكن يضربك بقالب يفتح رأسك، وراح الشيخ يوزع العمل، والحضور في دهشة من دق ترتيبه للأمور، ولم يتأخر أحد من أبناء الكتاب الكبار عن القيام بما أوكل إليه من عمل، حتى من لم يعين له عملاً محدداً انضم إلى فئة من زملائه العاملين حسب ما يتناسب مع إمكانياته وقدراته، كما انضم إلى هؤلاء جميعاً عدد كبير من أهل الشارع كعادة الريفيين في التعاون التام في مثل هذه المواقف.
-انتهز الفرصة بعض الظرفاء من فتية الكتاب، وراح يهمس في آذان زملائه: فرحة عظيمة لهواة الهروب من الحفظ والتسميع... اليوم لا حفظ ولا تسميع، ولا عصا، ولا ضرب، ما رأيكم يا إخواني؟، ألستم معي في أن نار الشغل والعمل أفضل من جنة الحفظ، والتسميع والضرب، والعصا الغليظة؟
-بلى بلى يا أخبث خلق الله، ولكن ربنا يستر ولا يمسك سيدنا آخر النهار برقبتنا، ولا يتركنا إلا بعد تسميع الحصة.
وحضر المعلم مختار مسرعاً، وقد حمل تحت إبطه كيساً من قماش الدمور يحتوي أدوات العمل، المسطرين، وميزان الخيط، ولفة من خيط الدوبارة زودت بمسمارين من الحديد، يضبط بهذا الخيط استقامة الجدار، وبعد أن حيا سيدنا والحاضرين أعطى إشارة العمل، فشمّر الجميع عن ساعد الجد، ودار دولاب العمل كما رسم الشيخ، وارتفع صوت الحداء: (هيلة هيلة... هيلة واسم الله)، (صلي صلي... على النبي صلي)، وراح الشيخ يساعدهم في الحداء بصوت رخيم منغم، ويتحسس الأرض بيديه، ويتناول الحصى الغليظة فيقذف بها في جانب على يمينه، ويسوي غيرها بالأرض، ويشجع العاملين بعبارات الدعاء لهم بالصحة والعافية وحرص علىمسامرة المعلم مختار بعبارات تشرح صدره مثل:
-الله يعطيك العافية ويقويك يا معلم مختار.
-يا ترى يا سيدنا، تدعو لي من قلبك، أم مجرد مجاملة؟
-يا ولد يا مشاكس، أما زلت على شقاوتك.
-أبداً والله أنا لست شقياً، ولكن أحب أن أتحقق من صحة دعواتك فأنا لا أعتقد أنك نسيت كيف كنت عفريتاً معجوناً بماء النار.
-يا ابني الأيام كفيلة بأن تغير من طباع الإنسان، والمثل يقول: "من لم يعلمه أبوه، تعلمه الأيام والليالي"، وعلى العموم ربنا يعطيك الصحة والعافية.
-يعطيها لي ليلاً ونهاراً، أم نهاراً فقط يا سيدنا؟
فقهقه الشيخ بصوت مسموع وراح يردد: الله يخزي الشيطان يا مختار، يا ولد التزم الحدود في كلامك، حولك أولاد شباب لم يدخلوا دنيا بعد.
-غداً يدخلوها، ويقول كل واحد منهم: ليتني لم ادخلها..
-عموماً ثبِّت الحشو يا معلم مختار، وزوِّد الأساس حتى يحتمل ثقل الجدار، ولا تكثر من المونة حتى لا تهبط الجدار بعد جفافها، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت.
-سمعاً وطاعة يا سيدنا، إن شاء الله ما يصير إلا الخير، وكلماتك أوامر يا شيخي، ثم أردف يمازح الشيخ بقوله: يا سيدنا الشيخ، دائماً يقولون عنك: إنك ما ربيت عجلاً إلا وروى حرث، فما بالك ربيتني، ولم أرو، ولم أحرث، ولم أفلح؟
فضحك الشيخ ورد عليه قائلاً: يا ولد يا معلم مختار، ألم أقل لك دعك من الشقاوة؟ الله يخزي شيطانك اللعين.. السبب أنك كنت عجلاً طائشاً لا عقل في رأسك، بل كنت عجلاً متمرداً حاولت ترويضه، وكم ضربتك، وأهنتك وأنت تصرخ قائلاً: لا أريد أن أتعلم، أنا أريد أن أعمل، أريد أن أشتغل وأقبض فلوس.. أنسيت يا شيخ الأبالسة، سبحان الله كل ميسر لما خلق له.
-يا سيدنا جزاك الله كل خير، ألم تكن تستطيع أن تقومني، وتعدل مخّي، بدل الشقاء والتعب؟!
-لا إله إلا الله، المثل يقول: (إيش تعمل الماشطة في الوجه العكر؟).
فقهقه مختار، وهو يضرب رأس قالب الطوب بسمطرينه ليتمكن من وضعه في مكانه المناسب وراح يردد: الله يجزيك كل خير يا سيدنا، هل وجهي عكر إلى هذه الدرجة؟
-كفاك يا ولد أن يقول لك الناس الآن: يا معلم مختار، وبمناسبة كلمة يا معلم يحكى أن رجلاً كان يهوى خصي الكلاب لمن يحب أن يخصي كلبه، فكان يخصي الكلب، ويأخذ أتعابه من صاحبه قرشين صاغ ففقط، ويشتري صابونة يضيعها على تطهير يديه من النجاسة بأربعة قروش، فقالت له امرأته يوماً: يا رجل، اتق الله فينا، ما الفائدة التي نجنيها من وراء هذا العمل السخيف؟ تأخذ أتعاباً قرشين، وتطهر يديك بأربعة قروش؟!
فرد عليها: اخرسي يا امرأة.. أنت لا تفهمين شيئاً.. كفاني فخراً أن يقول الناس لي: يا معلم فلان..
فرمى مختار المسطرين من يده على الجدار الذي يبنيه، وراح يقهقه حتى كاد يستلقي على ظهره، وهو يخاطب الشيخ من بين قهقهته قائلاً:
تعني يا سيدنا أنني أصبحت ومن يخصي الكلاب سواء، لا حول ولا قوة إلا بالله.. يا خسارتك يا مختار.
-لا يا ولد يا معلم مختار ليس الأمر كما تفهم، إنما أردت أن أبين لك قيمة كلمة (يا معلم)، وكيف يشتريها الناس بالفلوس.
واستمر العمل بلا توقف، غلا ريثما تناول الجميع طعام الغداء الذي أسهم به الجيران، وبعض أهالي تلاميذ الكتاب، وصلى الجميع صلاة الظهر في المسجد القريب، وما أن مالت الشمس ناحية الغرب إيذاناً بقرب انتهاء النهار حتى انتهى المعلم مختار من بناء الجدار، وعاد كل شيء إلى طبيعته، بل وأفضل ما كان عليه حاله من قبل، وجمع مختار البناء أدواته وواراها كيسه، واستأذن من الشيخ الذي نقده أجره بعد تمنع من مختار وإصرار من الشيخ، وانصرف بينما جلس فتية الكتاب يلتقطون أنفاسهم، ويفرك كل واحد مهم يديه مما علق بها من تراب أو طين، وانشغل بعضهم بتجفيف عرقهم، ويمنون أنفسهم بانصراف سعيد بعد يوم مشحون بالعمل والعناء، وراحوا يتهامسون فيما بينهم: من منكم يستأذن سيدنا في أن يصرفنا إلى منازلنا؟
فقال أخبثهم: ولماذا الاستئذان؟ لا تعجلوا وانتظروا أيها الأبطال، فسوف توضع أمامكم بعد قليل صواني العشاء..
وبينما هم على تلك الحال من الأخذ والرد والتشاور حول مسألة الاستئذان في الانصراف، جاءهم صوت سيدنا من الطرف البحري للدار منادياً الجميع: هيا يا أولاد، ارتدوا جلابيبكم، وخذوا مصاحفكم وليسرع كل واحد منكم في حفظ حصته اليوم، ويسمعها عليَّ قبل أن تغرب الشمس، وقبل الانصراف إلى دوركم.
فاسقط في يد الجميع، وندّت ضحكة مكتومة من واحد جلس طول اليوم متفرجاً ومشاهداً، بل منتظراً فرصة تفرغ الشيخ ليقوم بتسميع حصته ومال على زملائه هامساً: الناس تقول: (جاءك الموت يا تارك الصلاة) وأنا أقول لكم: جاءكم الموت يا تاركي الحفظ أتتعشمون في الانصراف قبل تسميع الحصة؟! إنه عشم إبليس في دخول الجنة.
وعلت أصوات زمرة التلاميذ من جديد، كل يحفظ حصته، ويرتل آياتها، فكلمة سيدنا لا تقبل نقاشاً، وأوامره لا ترد، وعصاه الغليظة متحفزة لتهوى فتلهب الظهور، دون أن تعرف للمجاملة معنى.