1- التصدير:
كان العقيلات يقومون بدور شركات التصدير في الدول المتقدمة في الوقت الحاضر حيث يقومون بتصدير السلع الرائجة في أسواق الأقطار العربية التي يرتادونها وعلى رأس هذه السلع الخيل والإبل، وهي سلع لها أهمية كبرى في الحروب والركوب والمواصلات والنقل واستهلاك لحوم الإبل خاصة كما أنها تستخدم في الحقل الزراعي للحرث ودرس الزرع وتصفية الحبوب، ومعروف عن الإبل النجدية وإبل شمال الجزيرة من الضخامة والقوة سواء ما استخدم منها للحمل أو الركوب أو الجر أو غير ذلك، والغرض من الإبل التي تحمل الأثقال والتجارة الأخرى التي تجلب للعراق لاستعمال الجيوش في مختلف العصور من عصور الممالك والأيوبيين حتى العصور العثمانية في كل من مصر والشام والعراق والتي تجلب لتلك المناطق أو التي تنحر وتؤكل لحومها وكانت سوريا تستعمل تلك الإبل كما تستعملها العراق وعربستان في الأغراض الزراعية بالإضافة إلى كونها وسائل نقل ويستهلك البعض منها للطعام أما في مصر فإلى جانب تلك الأغراض يستهلك عدداً كبير منها للطعام وتتميز إبل الجزيرة العربية بميزات لا توجد في غيرها ويعرف هذه الميزات أصحاب التجربة، فالبعير الحجازي يشتريه سكان المدن والقرى الجبلية في فلسطين والشام والبعير العنزي يشتريه سكان جنوب فلسطين والبعير النجدي يشتريه الفلاح المصري في شمال الدلتا والبعير العماني يشتريه البدو من سكان سناء، والقبائل التي يتعامل معها العقيلات ويصدرون إبلها في هذه التجارة هم الرولة، والفدعان، العمارات، والسبعة من عنزة وتمتاز إبلهم بكبر الحجم وقوة التحمل أما بنو صخر والحويطات فلديهم إبل لكنها أقل من سابقتها، وفي نجد إبل شمر الجبل بفروعها المتعددة وعتيبة بفروعها المتعددة وقحطان والدواسر وسبيع وتمتاز إبل قحطان عن غيرها، كما تمتلك بعض بطون قبيلة حرب مثل بني سالم وبني علي أعداداً جيدة من الإبل، أما في شرق الجزيرة فتشتهر قبيلة العجمان وآل مرة بتربية الإبل أما المناصير الذين تقع بلادهم إلى الجنوب من آل مرة فلديهم كذلك أعداد جيدة من الإبل وهناك الإبل العمانية التي تستعمل للركوب يليها الإبل الشرارية التي تتخذ للركوب وهي بعد العمانية، كما يوجد بعض قبائل أخرى مثل مطير وبني رشيد وغيرهم من القبائل لكن الأعداد التي يشتريها العقيلات منهم أقل من سابقيهم.
تأتي الخيل من حيث العدد فيما يصدر منها إلى تلك الأقطار وهي تستخدم للحروب والركوب كما مر بنا في فقرة سابقة ويصدر الفائض عن حاجة القبائل من هذا الحيوان مع العقيلات إلى تلك الأقطار العربية لأعداد جيدة، يقول بوركهارت: ويتراوح سعر الحصار في سوريا بين 10-120جنيهاً ولأن البريطانيين في بغداد والبصرة يشترون الخيل العربية ويرسلونها إلى الهند ارتفعت أثمانها كثيراً، وقد اشترى قنصل هولندا الراحل في حلب السيد ماسيك عام 1808م /1230هـ أكثر من عشرين جواداً أصيلاً لنابليون ثمن كل جواد منها يتراوح بين 80-90 جنيهاً ويندر أن تباع فرس عربية أقل من 60جنيهاً، وغالباً ما وصل ما يدفعه البدو أنفسهم ثمناً لفرس مشهورة إلى 200جنيه وربما ارتفع هذا الثمن إلى اكثر ن 500جنيه.
والسلعة الثالثة هي الأغنام النجدية من الضأن المتميز عن غيره بكبر الحجم وغزارة وطول الصوف ولذة الحم وتصدر من هذا الحيوان أعداداً هائلة كل سنة إلى كل من العراق وسوريا وفلسطين لاستهلاك لحومه وتأتي السلعة الرابعة التي يصدر العقيلات وهي مشتقات الألبان وعلى رأسها الأقط والسمن الذي يجمعونه في فصل الربيع ويخزنونه إلى موسم الخريف حينما يحتاج إليه الناس قبل الحصول على السمن الجديد ثم ينقلونه في قوافل تحمل القافلة الواحدة إلى ثلاثين طناً من السمن يقدر ثمنها بألفي جنيه استرليني كما قدر ذلك أحد التجار الانجليز وتتجه هذه القوافل إلى العراق والشام ومصر ومكة المكرمة والمدينة المنورة في الجزيرة العربية يقول أحد الرحالة "داوتي" الذي رافق إحدى هذه القوافل من مدينة عنيزة إلى الحجاز في عام 1296هـ/ 1879م وكان حمل هذه القافلة من السمن خاصة بأربعين تاجراً من الأعيان يرافقون تجارتهم على الإبل وعدداً آخر من سائقي الإبل يقطعون المسافة سيراً على الأقدام وينقل السمن بالنحي الكبيرة ينصب لها الخيام عند اشتداد الحرارة وتظل بها حتى لا تنضح "الجروم" النحي، ويقع تعيين أمير هذه القافلة على زامل بن سليم أمير عنيزة آنذاك وكان على المسافر أن يدفع للأمير ريالاً عن كل بعير بمثل هذه القافلة، هذا نموذج من قوافل بيع السمن التي يصدرها العقيلات والتي أورد معلومات عنها هذا الرحالة الذي رافق الرحلة مع أنه يوجد آلاف القوافل من هذا النوع على مر السنين لكن لم يهيئ الله من يكتب عنها على اعتبار أنها أمر عادي، أما الإبل فإن العقيلات يشترونها في بداية فصل الصيف والخريف بعد انقضاء فصل الربيع أو آخره حيث يجوب العقيلات بادية شبه الجزيرة العربية فيخرجون إلى بادية شمر وعنزة والظفير وحرب وعتيبة وقحطان حتى يصلون في تجوالهم إلى قبائل مرة والمناصير جنوب الأحساء والعجمان وجنوباً إلى الدواسر وشمالاً إلى مطير ويعودون بهذه الإبل إلى مراكز تجمعاتهم ويتركونها ترعى ويعتنون بها حتى موسم الشتاء وسبب شرائهم لها بعد فصل الربيع حيث تكون سمينة بعد رعيها أعشاب الربيع وإمكانية المحافظة على حالتها من السمن حتى فصل الشتاء ليبيعونها بالأثمان التي تدر عليهم الربح ولم يقتصر الأمر على العقيلات في شراء الإبل فإن التجار الكبار في الأقطار العربية الأخرى يخرجون بدورهم إلى البادية ويشترون الإبل وقد تعامل عدد من التجار الدمشقيين مع شيوخ شمر وباديتها مثل عبدة وسنجارة ومع ولد علي من عنزة وكانوا يعبرون النفود إلى شمر ويعود هؤلاء التجار في صحبة رفيق من شمر ذلك في عهد الأمير محمد بن عبدالله الرشيد 1287-1315هـ أما عن أسعار الإبل فقد جاء بأحد تقارير المخابرات البريطانية عام 1334هـ / 1916م ما يلي:
كان متوسط سعر البعير المشترى من القبائل 8 ليرات ذهب تركية يضاف إلى ذلك ليرة واحدة تكاليف أخرى ويباع البعير في دمشق بمبلغ عشر ليرات ذهبية تركية فيعطى البعير ربحاً صافياً قدره ليرة تركي ذهبية واحدة. هذا نموذج مما كتب عن الأسعار فقد تزيد وقد تنقص على مر العصور حسب العرض والطلب، وقد استمر الوضع على هذا الحال حتى عام 1337هـ/ 1919م حين صدر أمر – جلالة الملك (عبدالعزيز بن سعود رحمه الله إلى أميره في بريده فهد بن معمر رحمه الله يطلب منه منع العقيلات من التصدير إلى الحجاز، وفي عام 1368هـ / 1948م أصدر الملك عبدالعزيز إلى أميره في القصيم الأمير عبدالله الفيصل يحظر تصدير الإبل وأبلغ هذا الأمر إلى أمراء المراكز الشمالية منهم الأمير عبدالعزيز بن أحمد السديري رحمه الله أمير القريات، ثم جاء الشيخ عبدالله السليمان الحمدان رحمه الله وزير مالية الملك عبدالعزيز فاشترى الفائض من الإبل عند بعض التجار والجماعات وذلك لإبقاء هذه الثروة الحيوانية الهامة داخل المملكة بعد انتفاء الحاجة إليها في الأقطار العربية الأخرى وكانت أهم أسواق تجميع الإبل للتصدير في الجزيرة العربية المملكة العربية السعودية من الشرق إلى الغرب كما يلي: الأحساء- الرياض- شقراء- المجمعة- الزلفي- بريدة- عنيزة- حائل- الجوف وأهم مراكز بيعها في الأقطار العربية الأخرى في العراق: الحلة- العمارة- السماوة- الموصل- النجف- بغداد وفي سوريا: دير الزور- الغوطة- عذراء- حوران - وفي الأردن: الزرقاء- عمان وفي فلسطين: طولكرم - جنين- اللد- غزة- بئر السبع- دير البلح- خان يونس- بيسان- عربة- كفر ياسين - الفارعة- نابلس- الرملة- بيت جبرين، فسوق غزة يومي الخميس والجمعة، ودير البلح يوم السبت وخان يونس يوم الأحد، وبئر السبع يوم الإثنين والثلاثاء، وغزة من أكبر تجمع العقيلات بفلسطين تتفرع منها أسواق كثيرة وسوق بئر سبع من الأسواق الكبيرة في جنوب فلسطين وفيه تجمعات للعقيلات وبيوت لهم أما في مصر فالقنطرة الشرقية وفيها تجمع للعقيلات ووكلاء للتجار وفيها تحجر الإبل القادمة من الشرق لإجراء الكشف البطري عليها (الكورنتينا) ويقوم الوكلاء بترتيب عبور الإبل قناة السويس بعد حفرها بواسطة المعديات وتحمل المعدية 80رأساً من الإبل إلى القنطرة الغربية، وفي الزقازيق سوق كبير للعقيلات وسوقها يومي الاثنين والثلاثاء، وشبين الكوم وسوقها يوم الإربعاء وبلبيس سوقها كبير وفيه تجمع كبير للعقيلات وسوقها يوم الخميس والجمعة، وإمبابة وفيها سوق كبير يجتمع فيه العقيلات الذين استوطنوا مصر لتجارة الإبل والخيول وسوقها يوم الخميس والجمعة والسبت، هذا الوضع الذي كان سائداً في آخر دور العقيلات أما عبر القرون المتتابعة قبل حفر قناة السويس ووجود العوائق الأخرى فإن الصورة فيها بعض الاختلاف، هذا فيما يتعلق بتجارة الإبل والخيول والسمن والغنم وما يصدر منها إلى أسواق الحواضر العربية في أقطار الوطن العربي الإسلامي الأخرى أما القوافل المحلية "الحدرات" فإنها تصدر بضائع أخرى غير هذه فمن السلع التي تصدرها مشتقات الألبان من السمن والأقط والمنسوجات الصوفية الثخينة كالسياح والأوعية الصوفية فرده أو "عدلة" المعدة للأحمال من النسيج الصوفي الأسود الثخين والصوف الخام والجلود المدبوغة المعدة كأوعية لنقل الماء قرب والجلود النيئة المعدة للدباغة وخيوط النسيج الصوفي الجاهز على مختلف الأحجام والمنسوجات الوبرية الناعمة المتقنة الصنع بالزخارف والنقوش الرائعة وبعض المصنوعات الخشبية الظريفة التي برعت بصنعها بعض المدن في الجزيرة العربية مثل الأحساء وبريدة وحائل وجبة والجوف إلى جانب منتجات عديدة أخرى وأعشاب وحشائش تستعمل للأدوية كالشيح والعبيثران والقيصوم وغيره.
2- الاستيراد:
للعقيلات دور كبير في استيراد السلع، فهم يقومون بدور الشركات المستوردة الآن، ولبعضهم امتياز في توريد بعض السلع مثل دور بعض الوكلاء لبعض السلع في وقتنا الحاضر كنوع من القطائف ونوع من العبي والعطور والسلاح وغير ذلك من السلع يقومون باستيراد بضائع الشرق من موانئ الخليج العربي والبضائع الأفريقية من موانئ البحر الأحمر ومكة والمدينة ومن مصر أيضاً ومن موانئ البحر الأبيض المتوسط ومدن الشام ومصر للبضائع الأوربية إضافة إلى بضائع تلك الأقطار من المدن العراقية بضائع العراق وسلع بلاد ما وراء النهرين، يستوردون هذه البضائع صغيرها وكبيرها إلى الأسواق المحلية فمن بضائع الشرق التوابل والبهارات بأنواعها قهوة "هيل" حب الهال قرنفل، زنجبيل، زعفران، فلفل أسود، وأحمر، حبة حلوة، كمون، كركم، محلب، حلب، الحبة السوداء، شب، كافور، صبر، حلتيت، مرة، زاج، وأعشاب دوائية ومعادن دوائية وكيماويات دوائية كالكبريت الأبيض والأصفر والنشادر والرصاص والقصدير والزرنيخ والعطور بأنواعها من عود سائل وخشب وعنبر وورد سائل ومجفف وزباد ومسك والأقمشة النسائية القطنية والكتانية والحريرية والصوفية والشال الهندي والحبال الليفية كالمرس والكنبار وأوعية الخيش على مختلف الأحجام والأواني الصينية وغير ذلك أصناف كثيرة أما السلع المستوردة مما وراء النهرين والعراق فالكتان والحرير والشيلان والزعفران والعصفر والفيروز والمرجان والأحجار الكريمة التي تشتهر بها بلدان تلك الناحية ومن القطر العراقي القطائف الصوفية الثخينة الناعمة والعباءات الوبرية السمراء والعباءات السعدونية المخططة والعقل والشيلان الصوفية والتمور الطري والمجفف من نوع "الصقعي" ويستورد منه كميات كبيرة نظراً لإمكانية نقله بالأحمال على الإبل والأرز العراقي "التمن" بدرجاته المختلفة وألوانه الأبيض والأحمر والحنطة بمختلف أصنافها والدبس والدلال البغدادية وغيرها ومن موانئ البحر الأبيض المتوسط مدن الشام السلع الشامية والأوربية على مختلف أصنافها فمن الشام الحنطة والعدس والدلال "رسلان" وأدوات صنع القهوة وتحميصها من الهاونات "النجور النحاسية" والمحاميس وغيرها وأواني الشرب النحاسية وأواني تسخين الماء "السمورات" والملابس الرجالية "الزبونات" واحدها زبون "والصايات" واحدها صاية والصدريات والفراء والشال الصوفي والملابس النسائية الحريرية "الورسي" والعباءات النسائية والأخمرة النسائية والأحذية والأدوية بأصنافها والقطائف "الرومية" التركية والمرايا والزجاج والأواني الزجاجية والخزفية والنحاسية كالقدور بأحجامها والصواني والصحائف النحاسية والنشادر والرصاص والقصدير والكبريت بألوانه الأبيض والأسود والأصفر والفواكه المجففة كالمشمش والتين وغير ذلك أما مصر فإلى جانب الأقمشة القطنية الجيدة والأدوية والعقاقير الطبية والأعشاب الطبية وغيرها كثير ومن موانئ البحر الأحمر ومكة والمدينة فمنتجات الشرق الأفريقي كالصموغ بأنواعها والتوابل الأفريقية واللبان بأنواعه والخرز والملابس النسائية والرجالية والمصاغات الذهبية والفضية والأواني النحاسية والخزفية والمعدنية الواردة من جنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا هذه الأصناف تعد بالآلاف كان يستوردها العقيلات من تلك الأماكن ويجلبونها إلى السوق المحلية ليوفروا تلك السلع أمام المستهلك مقابل أرباح مجزية لهم جعلتهم يثابرون على هذه المهنة ويتحملون المشاق في الأسفار الطويلة التي تدوم شهوراً وهم في بطون الصحاري تحت مختلف الظروف المناخية والأمنية.
3- انعاش السوق المحلية:
كان للعقيلات دور مهم في إنعاش السوق المحلية بعملية حركة البيع والشراء فقد كانت الفرق منهم تجوب مختلف الأسواق الرئيسة في الجزيرة العربية لشراء السلع كل في مجال اختصاصه فتجار الإبل والخيول لا يكتفون بأسواق المراكز الرئيسة والمدن وإنما يظهرون إلى مضارب البادية كما رأينا في فصل سابق فيضربون خيامهم في مكان بارز عند هذا الحي أو ذاك ويشترون منهم الإبل حتى يؤلفون منها أذواداً ورعايا ثم يرسلونها إلى أماكن تجمعاتهم في النقاط الرئيسة حتى إذا جمعوا الأعداد الكافية انطلقوا بها إلى أسواق البيع في الأقطار العربية المجاورة ويبقى ممثلوهم أو من ينوب عنهم يتجولون في الأسواق المحلية متنقلين بين أحياء القبائل في مواطن قبيلة شمر وعنزة والظفير وبني رشيد والشرارات وبني عطية وبني صخر ومطير وعتيبة وقحطان ومرة وبني هاجر والعوازم وسبيع وغيرهم من القبائل كذلك كان الحال بالنسبة للخيل وينسحب هذا الإجراء على بقية السلع الأخرى السمن والأقط والمنسوجات وغيرها، وكان العقيلات أول من أدخل سلع الرفاهية ومنتجات الحضارة إلى الإقليم وربما لاقى بعضهم المشاكل في هذا الصدد ففي حوادث عام 1280هـ/ 1863م أحضر أحد العقيلات ساعة للقصيم فأنكرها بعضهم ووشى به بعضهم إلى الأمير حسن بن مهنا واتهموه أنه يحمل صنماً وذلك لعدم إدراكهم لماهيتها.
بهذه الحركة الدائبة على مدار أيام السنة في كل موسم يشترون ما يتوفر في السوق من سلع فيحصل الانتعاش للسوق بما يشترى منها وما يجلب إليها من السلع التي يقوم العقيلات إلى جانب التجار المحليين بشرائها كما يقومون بتسويق البضائع التي يشترونها من كبار الموردين من العقيلات حيث يمتصون من الأسواق البضائع والسلع المنتجة محلياً والزائدة عن حاجة السوق وينقلونها إلى أماكن تكون بحاجة إليها ويزجون في هذه السوق بالسلع التي أحضروها من أماكن أخرى أو من خارج المنطقة من إحدى الأقطار العربية المجاورة ولذلك فإن لقدوم القوافل التي يتاجر بها العقيلات وقع خاص في نفوس الناس ولها تأثير واضح في السوق المحلية حيث ترتفع مؤشرات البيع والشراء وتنخفض مؤشرات الأسعار مع المنافسة بين التجار المحليين الذين قد يلجأ بعضهم إلى محاولة احتكار بعض السلع أو التحكم في أسعارها في الفترات التي تكون قوافل العقيلات الرئيسة في طريقها إلى الأسواق أو أنها غادرتها قبل فترة كما أن لولوج العقيلات أو ممثليهم إلى مضارب البادية وأحيائها داخل الصحراء أثر طيب في نفوس السكان المحليين وخاصة ممن يبيعون الإبل والخيول والأغنام وغيرها حيث يجدون من يبيعون الفائض من إنتاجهم عليه، أو ما يقضون به حاجتهم ممن يأتونهم في مضاربهم وأحيائهم ويشترون منهم، كما أن لشيخ القبيلة أو عقيدها مصلحة مادية من ولوج العقيلات حي أو أحياء قبيلته حيث يدفع التاجر العقيلي لشيخ القبيلة ريالاً واحداً أو أكثر على كل رأس من الإبل أو الخيل يشتريه من هذا الحي يقول "موزل" وللأمير أو الشيخ نصف مجيدية أو مجيدية واحدة (0.45من الدولار) أو (0.90من الدولار) عن كل بعير يباع ثم يوسم البعير المبتاع عندئذ بسمة عقيل (وسم عقيل) ويترك ليرعى مع غيره في القطيع ويستأجر العقيلي شباناً من القبيلة يرافقون العقيلي إلى أماكن بعيدة مثل مصر، وعند عودتهم يطفقون يتحدون عن العجائب التي شاهدوها أو تعلموها في رحلتهم، فإن اشترى العقيلي إبلاً في البر الداخلي مكث مع القطعان المبتاعة أسابيع عديدة أو حتى شهوراً مع القبيلة نفسها منتظراً انتقالها إلى المناطق المأهولة.
وفي هذا الإطار فإن شيخ القبيلة يتعاون مع العقيلي ويضمن له الأمان على نفسه وماله مادام في أراضي هذه القبيلة ليس ذلك فحسب وإنما يتدخل بعضهم في موضوع البيع والشراء حيث يستأنس العقيلي برأي رئيس القبيلة الذي تكون خيمته أو خيامه قريبة من بيت شيخ القبيلة في الأغلب الأعم فإذا عرض عليه البائع السلعة وطلب لها ثمناً اعتقده العقيلي ثمناً مرتفعاً طلب رأي الشيخ الذي يتدخل غالباً لصالح العقيلي فيحث البائع على التنازل عن بعض السعر لتتم البيعة وهذه العملية بدورها يستفيد منها الشيخ ذاته وأشهر أسر عقيل أسرة آل بسام ولهم بيوتات تجارية في البصرة وبومبي في الهند وأسرة آل عيسى ويقيمون بدمشق ويتاجرون بصفة رئيسة مع قبيلتي عنزة والحويطات، ويأخذ التاجر العقيلي مالاً من تاجر الجملة ليبتاع به إبلاً من قبيلة بعينها فيسوق الإبل التي يبتاعها إلى مصر أو البصرة بحيث يأخذ الأخير ثلثيه أو نصفه وإن اتفقا على أن يكون لتاجر الجملة ثلثي الربح فعليه أن يتحمل مجمل الخسارة التي قد تنتج عن الصفقة وفي الحالة الأخرى يشتركان في الخسارة بالتساوي ويمضي العقيلي ومعه رسائل تزكيه لأمير القبيلة التي يريد الابتياع منها أو شيخها وبعد تسليمه الرسائل والهدايا التي أرسلها تاجر الجملة لأولئك الوجهاء ينصب خيامه أما في معسكر الأمير أو إن سمح له في معسكر أحد الشيوخ. ليس هذا فحسب وإنما يكون في الغالبية طعام العقيلي وشرابه أثناء إقامته في الحي بجوار الشيخ يكون في بيت الشيخ نفسه إلا أن يكونوا مجموعة كبيرة فإنهم ينحازون لوحدهم ويقتصر ذلك على تناول القهوة والضيافة أول ليلة من وصولهم، وشيخ المخيم الذي نصب التاجر عنده هو مضيفة فيما يتعلق بحمايته كضيف ولكنه لا يطعمه أو يأويه، فيأتي البدو بإبلهم إلى خيامه ويبيعونها بثمن نقد، ويبيعونها مقايضة ببضائع في حالة ما إذا كان التاجر قد جلب معه أسلحة أو ذخيرة، أو أي سلع أخرى هذا التعاون المصلحي بين العقيلي وشيخ القبيلة ينسحب على أفراد هذه القبيلة كلهم باعتبار أن شيخهم سيستفيد من هذه العملية فيحصل التعاون ويأمن العقيلي عن نفسه وماله، وما من شك في أن العقيلات إضافة إلى إنعاشهم السوق المحلية بالبيع والشراء وأخذ السلع الزائدة عن الحاجة وتوفير السلع الناقصة فإن لهم دور اجتماعي وثقافي بارز يتمثل في تجمع رجال الحي عند الشيخ بمعية العقيلي الذي جاب الأمصار وعرف مختلف الأقطار، ولابد أنهم يستفيدون من أحاديثه عما رآه بتلك الديار، وقد يخلط هذه الحديث ضرب من القصص والأشعار التي تتحدث عن كل جانب والتي سترى نماذج منها في فقرات لاحقة، كما قد يعرفون منه الأسعار والطرق والموارد وغيرها مما يفيدهم، وفي تجمعات العقيلات في المراكز الرئيسة تحصل عملية البيع والشراء فيما بينهم في مختلف السلع تبعاً لظروف السوق والأوضاع التي تكتنف كل منهم ويدخل في هذه العملية التجار المحليون الذين يشترون من كبار التجار من العقيلات ما قد تسنح الفرصة بشرائه من السلع المجلوبة وربما جاء العكس فقد يشتري العقيلات ما جمعه التجار المحليون من السلع المحلية المتوفرة عندهم لغرض تصديرها إلى الأقطار الأخرى كالسمن وغيره بهذه الحركة النشطة التي يقوم بها العقيلات في السوق المحلية من عملية البيع والشراء وتناول المصالح يحصل انتعاش للسوق المحلية وتزداد فعالية الإنتاج وتستمر عملية الاستهلاك لهذه السلع المجلوبة بواسطة هذه الفئة من التجار التي تنافس في أغلب الأحيان التجار المحليين وتزيد من حركتهم وحيويتهم وفعاليتهم.
4- توفير السلع المختلفة:
قام العقيلات عبر قرون عديدة متعاقبة بتوفير السلع المختلفة التي يجلبونها من مختلف الأصقاع ويوفرونها في السوق المحلية حيث يعيش المجتمع في قطاعات متعددة كقطاع الزراعة والرعي والمهن المساندة لهذين القطاعين كالتجارة المحلية والمهن المختلفة وليس لدى الكثير من السكان المقدرة على ما يقوم به العقيلات من مهمة الأسفار وتجشم المصاعب والأخطار وجلب السلع من مختلف الأمصار والأقطار العربية وتوفيرها للناس مباشرة، أو بواسطة التجار المحليين الذين يتولون تسويقها في القرى والأرياف ومضارب البادية، كما أن الفئة الخامسة من القوافل وهي الحدرات تعتبر الشريان الرئيس الذي يغذي أفراد المجتمع بما يزخه من دفقات متتابعة من الأطعمة والأشربة والألبسة ومختلف الاحتياجات الضرورية والكمالية كما رأينا ذلك في موضعه حيث تعتبر مثل تلك القوافل الممول والممون الرئيس للسوق المحلية، وكما هو حاصل في يومنا هذا فإن العقيلات تجري بينهم منافسة شديدة لجلب الجديد من السلع إلى الأسواق وذلك للفوز بقصب السبق وجني الفوائد الكبيرة من هذه السلع التي تدخل السوق لأول مرة وخاصة ما يتعلق بالملابس والأشياء الكمالية أو الجديد من الأطعمة حيث يتنافس المتنافسون في هذا المجال، وقد يخفي بعضهم عن بعض ماهية السلع التي جلبها معه، لئلا يعلم رفاقه بها فيشترون مثلها وبذلك ينافسونه في بيع هذه السلعة أو تلك، وقد يشتري البعض السلعة الجديدة فيسرع بها إلى السوق يسري الليل ويجري النهار فيقطع المسافة التي يقطعها عادة في شهر بمدة عشرة أيام حتى يصل إلى السوق قبل أن يجلبها أحد قبله، هذه الحيوية في التنافس مما يجعل السلع تتوفر في السوق بصفة مستمرة ووضع متجدد مما يجعل للسلعة الجديدة صدى واسعاً تتناقله الأفواه ويحمله الركبان من مكان إلى آخر مما يجعل التجار المحليين يهرعون إلى السوق للحصول على أي كمية أو قدر من هذه السلعة الجديدة ولا يقتصر ذلك على السلع التي تأتي من الأمصار خارج الجزيرة العربية وإنما يشمل المنتجات المحلية النادرة فإذا شحت سلعة من السلع في مكان ما وهي متواجدة في مكان آخر فإنهم سرعان ما يهرعون إلى ذلك المكان للحصول على كمية أو عدد من هذه السلعة لينقلوها إلى المكان المحتاج، هذه الحيوية أو "الديناميكية" التي يقوم بها العقيلات لتوفير السلع بالسوق المحلية هي التي ضمنت لهم الأرباح التي شجعتهم على تجشم الأخطار وقطع المسافات الطويلة التي تعد بآلاف من الأكيال بين الحواضر العربية والعواصم العالمية وحواضر شبه الجزيرة العربية مما جعلت الكثير من العقيلات يغيبون عن أهلهم وأبنائهم وذويهم مدداً طويلة تصل إلى بضعة أشهر وربما إلى بضع سنين مما تحول معه تربية الأبناء والقيام بشئونهم إلى عواتق الأمهات تلك النساء اللواتي لعبن دوراً هاماً في هذه الحقبة من الزمن كما سنرى ذلك في مكان آخر من هذا الكتاب، هذا الجهاد المتواصل من العقيلات في سبيل توفير السلع للأسواق تلك السلع التي مرت بنا أسماؤها في فقرة سابقة كان الهدف من وراء توفيرها الربح أولاً واكتساب السمعة الطيبة ثانياً واكتساب لقمة العيش الحلال لهم ولأبنائهم ثالثاً جعلت منهم فئة فعالة لها وزنها في المجتمع المحلي ولها قيمتها في الأقطار العربية المجاورة ولها ميزاتها في الأقطار العالمية الملاصقة، ولو تصور الواحد منا هذه القوافل ذات الأعداد الكثيفة خارجة من الجزيرة العربية وقادمة إليها بأعداد كبيرة من الإبل والخيل والرجال على مدى الشهور والأعوام والقرون بحركة دؤوب وسعي متواصل لأدرك المكانة التي كان العقيلات يحتلونها منذ قرون ولانتفى لديه ما كان يظن بأن هذه الجزيرة كانت معزولة عن بقية الأقطار العربية وأنها أقرب ما تكون إلى المكان المجهول الذي لا يرتاده أحد وأن من ارتاده يعتبر من المكتشفين والرواد وهو على العكس وكان عامراً بالحركة الدائبة من رأس الخليج العربي حتى رأس البحر الأحمر قبل وبعد حفر قناة السويس ذهاباً وإياباً.
5 - تأمين السيولة النقدية:
من الإسهامات التي قام بها العقيلات لخدمة السوق المحلية جلب العملات الذهبية والفضية والنحاسية المضروبة في الأقطار العربية المجاورة وخارجها لأنني لم أطلع حتى الآن على أي عملة ضربت في وسط الجزيرة العربية أو شرقها منذ بضعة قرون، عدا عملة نحاسية مستطيلة الشكل لم أرها وإنما ذكرتها بعض المصادر تسمى "الطويلة" وما عدا ذلك فإن السوق كان يعتمد على العملات التي ترد من الخارج، وكان العقيلات من يجلبون هذه العملات الذهبية والفضية والنحاسية ثم الورقية في آخر عهدهم، كانوا يحضرون هذه العملات من تلك الأمصار فيشترون بها المنتجات المحلية والحيوانات كالإبل والخيول وغيرها من السلع ثم يجلبونها إلى تلك الأقطار فكثرت العملات المختلفة في أيدي الناس أثماناً لما يبيعونه من السلع على العقيلات وغيرهم وقد تغلب على كل منطقة عملة القطر الذي يواليها فكثرت بيد الناس هذه العملة لكثرة ما يرد منها على هذا الجزء أو ذاك، فشرق نجد والمنطقة والمحاذية للخليج العربي تكثر فيها من العملات الريال والتومان الفارسي والروبية والآنة الهندية والنقود التركية العراقية وفي غرب نجد مما يلي الحجاز تكثر فيه العملات المملوكية المصرية ثم التركية المصرية، وفي شمال نجد تكثر العملات المصرية والتركية، وهذه الكثرة من العملات ليس معناها أنه لا توجد عملات أخرى مما يوجد في الجزء الآخر ولكن هذه الكثرة بحكم الجوار وكثرة الاحتكاك بهذا القطر أو ذاك غير أن هناك عملتان رئيستان في القرنين الثاني عشر والثلث عشر والنصف الأول من القرن الرابع عشر الهجرية هما الليرة الذهبية العثمانية "النيرة العصملي" والريال الفضي "الفرانسي" أو "الشوشي" وهو ريال الملكة "ماري تريزا" ملكة النمسا واسمه في المصور "فرانسوا" وهو زوجها بشعره المرسل حتى سمي "شوشي" من هذه الصورة "شوشة" أي شعر مرسل منفوش وقد استعمل هذا الريال في الجزيرة العربية منذ عام 1166هـ/ 1752م حتى حدود عام 1345/ 1925م حين أصدرت المملكة العربية السعودية الريال الفضي السعودي والجنيه الذهبي السعودي بعد ذلك ثم تبع ذلك إصدار العملات الورقية، ومن العملات التي كانت ترد إلى المنطقة منذ القرن التاسع الهجري "الدينار" الأشرفي وهو نقد ذهبي مملوكي مصري و"المحلِّق" وهو نقد فضي مملوكي مصري "والمؤيدي" وهو نقد فضي مملوكي مصري , "الناصرية" وهي دنانير ذهبية مملوكية مصرية و"التوروزية" وهي دراهم فضية مملوكية سورية و"الخيرية" وهو نقد ذهبي تركي عراقي و"إسلام بولي" عتيق نقد ذهبي تركي عراقي و"إسلام بولي سليمي" نقد ذهبي تركي عراقي و"إسلام بولي مصطفى" نقد ذهبي تركي عراقي و"شامي" نقد فضي تركي عراقي ثلث ريال فرانسي، "شوشي" نقد فضي تركي عراقي و "غازي" نقد ذهبي عراقي "وربعية" نقد ذهبي تركي و"زر" نقد ذهبي تركي و"أحمر" نقد تركي ذهبي و"محمدية" نقد نيكل تركي و"متليك" نقد تركي نحاسي تركي و"آقجة" نقد تركي نحاسي، و"بشلق" أو "بيشلية" نقد نحاسي تركي، و"بارة" نقد نحاسي تركي و"سعدية" نقد ذهبي مصري و"جنيه" نقد ذهبي مصري و"زهراوي" نقد فضي سوري فلسطيني و"سحتوت" نقد نحاسي سوري فلسطيني و"روبية" نقد فضي هندي و"آنة" نقد نيكل هندي و"تومان" نقد ذهبي إيراني و"ريال" نقد إيراني فضي و"شاهي" أو "شاهية" نقد نحاسي إيراني و"بقشة" نقد فضي يمني و"طويلة" نقد نحاسي سعودي في الدور الأول للدولة السعودية و"نيرة" نقد ذهبي إنجليزي و"شلن" نقد فضي إنجليزي بالإضافة إلى النقد العماني الذي ضرب في مسقط، هذه جملة العملات التي كانت رائجة في أسواق الجزيرة العربية من سواحل الخليج العربي حتى سواحل البحر الأحمر والتي ساهم العقيلات بجلبها وتداولها في السوق المحلية وإن كان اشهرها كما نوهنا إليه سابقاً الليرة العثمانية الذهبية والريال الفرانسي والروبية الهندية في البداية ثم جاءت الليرة الإنجليزية "النيرة" والدنانير العراقية الورقية، ونظراً لما يكتنف الأسعار من مخاطر الطريق سيما والنقود ذهبية وفضية ذات حجم كبير وثقل وخطر فادح فيما لو سلبها قطاع الطرق فقد اتخذ العقيلات إزاء هذه الخطوة عملية التحويل فعملوا ما يشبه المصارف "البنوك" الحالية في المراكز الرئيسة داخل الجزيرة العربية وخارجها وذلك في عملية التحويل في كل من الأحساء والقطيف والرياض وشقراء وبريدة وعنيزة وحائل والجوف والمدينة المنورة والكويت والزبير والبصرة وبغداد والقنطرة وبلبيس والمطرية بحيث يضع التاجر ما معه من نقود في أي نقطة من هذه النقاط ويأخذ عليها حوالة إلى آخر يتعامل معه رفيقة هذا ثم يسافر بهذه الحوالة ويستلم نقوده الذهبية أو الفضية من المكان المتجه إليه وبذلك أحدث العقيلات انتعاشاً للحركة المصرفية إن لم يكونوا أول من أوجد مثل هذه الشبكة المصرفية في المنطقة قبل أن تبدأ المصارف "البنوك" الحالية، هذا بالإضافة إلى ما ينقله العقيلات من النقود في حملاتهم بحيث يحفظونها بأكياس داخل أحمال الطعام والسلع الأخرى حتى لا تكون عرضة للسرقة كما يخفونها بطريقتهم الخاصة عندما يريدون تهريبها مخافة الجمارك وغيرها، بهذا نرى ما كان للعقيلات من أثر فعال في توفير النقود وإنعاش أو إيجاد بذرة المصارف في المنطقة في وقت مبكر قبل أن تصبح شركات مساهمة في كل قطر وهم بذلك من أهم دعامات الاقتصاد آنذاك.