الغيوم ترقٍّع السماء، وأفكاره تتهاوى، ولكن إلى عشب الفراغ، والنار تعتمل في تنور أضلعه، تلتهم أعصابه ببطء فاضح، ساقها الله إليه وردة، مختالة بغنج، فأحبها بكل تطرف، بكل عمى بصيرة تملكته، لكم تمنى أن تتأمل قصائده، بيوتاً من الدم يكتبها، وبالقهر يُطَعٍّمها، آه.. يرمي برأسه مستنداً إلى قطعة الخشب.
لكم يرغب بأن يكون جماداً مثلها، لغزٌ محيرٌ لم يفهمه أي كائن، تفرش عباءة القلق والحرمان أينما كانت، تجلس مقابل التلفاز متجمدة، كأبا الهول صامتاً، فيشاطرها مجلسها، لتقص عليه -دون أن يطلب- قصة الفيلم الذي تشاهده، يتأملها، أهي ذاتها المرأة التي فاض لها قلبه حباً، وسلبت لبه بفستانها الأخضر الجميل، لايرى سوى شفتاها الجميلتان، تتحركان بعنف وانفعال، دون اكتراثٍ لسكين النار التي اخترقت فؤاده، وشرحته تماما.
يبتلع ريقه، وهو يمزق أوراقاً بدأ في رصفها أمامه، فتنغرس شوكة في الحلق، تنغص هناء ابتلاعه، يمسك بقلمه، محاولا خط بضع كلمات، فيفشل.. يتهاوى وهو ينوء بنزيف المشاعر الذي يكتسحه مرة واحدة، كفيضان هائج.
يتماسك، فيتذكر عيناها، تلك البوابة لقلبها الثلجي الذي تضمحل فيه الأحاسيس وتتلاشى فيه، ففيها من الصقيع ما هو كفيل بأن يخيفه.
كان بوسعها أن تفرش ضحكته على وجه الكون، كان بوسعها أن تعتق عواطفه في الفضاء، وتطلقها كالعصافير في غرة الفجر، من ذا الذي قال بأن النساء لا يتحكمن بحال الرجال؟! من قال بأن الرجل له القوة والسطوة ليتحكم بزمام قلبه أمام امرأة؟! وحدهن اللواتي يخضع أمامهن كبرياء الملوك، وتتدحرج بين أياديهن طفولة المتزمتين.
يستأنف محاولة الكتابة، وهو يرتدي صمته، ويُسَيٍّر قلمه كالموج بلا اهتداء، ليعاود تمزيق واعتصار الورق الذاهل، ينتصب واقفاً، ليدور بضع خطوات حول نفسه، يتساءل، في كثير من الشك والحذر، وقليلٍ من الرضا والأمل، فيعود مسرعاً لتفترس حروفه طهر الورقة، كلمات.. ظن بأنها ستحرره من قيده، ولكنها بادرت إلى صب الهم في قلبه دفعة واحدة، ليصاب باليأس، ويتكور في زاوية الغرفة، بضعف كعاطفة الهالة في لهب القنديل.
تمتد أصابع الليل الباردة، فتعمل على صبغ الجدران بالثلج، يناور غاية النكران، فهي زوجه وهو يحبها، وهي الحبيبة التي لا تغيب، في حضورٍ، أو غياب، ولكنها كغديرٍ أبكم، كشلالٍ أخرس.
يذرع البصر طريقه في جدران هذه الحجرة، التي ضاقت عليه بما فيها، بكى.. حتى سمع نشيج الصورة على الحائط، تضيق، تضيق به الجدران، فيستنجد بالصمت، ويتكور.. محاولا استرجاع ماضي الرجولة، مترقباً مأتمها المؤجَّل.
كل ما حوله يتلذذ بتعذيبه، يقشره كجوزٍ فارغٍ، فلا يبقى سوى قلبه - المذبوح ألماً وتجاهلاً - وتنصت أذناه لفاه أرملة الجواب، وهي تضيق خناق الأسئلة على حزن أحرفٍ كتبها على ورقةٍ تيتمت ..
"مرت ثلاثة أشهر، وحتى الآن .. لم تسألني ما بالك؟!"..